بقلق شديد، تتابع المحافل السياسية والأمنية والإعلامية في إسرائيل تطورات الوضع المصري، خشية تسلم الإسلاميين الحكم وانهيار اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وفقدان الدولة العبريّة أهم ركيزة استراتيجية لها، وتحول مصر من ذخر إلى خطر وتهديد.

لم تبدد رسائل التطمين التي بعث بها كبار المسؤولين في مصر إلى المحافل الإسرائيلية، هواجس ومخاوف نظرائهم الإسرائيليين في المستويين السياسي والعسكري، والتي انعكست قلقاً شديداً دفع المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية، الذي عقد جلسة الثلاثاء، امتدت لأكثر من ثماني ساعات، إلى بحث الوضع الخطر في مصر، حيث برز تقديم رئيس الأركان بني غانتس، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أفيف كوخافي، خطة عسكرية لمواجهة احتمال إلغاء اتفاق السلام مع مصر، وفق ما كشفت عنه صحيفة «معاريف»، الأمر الذي سارع إلى نفيه الناطق باسم الجيش الإسرائيلي.
فقد ذكرت عدة وسائل إعلام إسرائيلية أن مسؤولين رفيعي المستوى في مصر بعثوا خلال اليومين الماضيين عدة رسائل تهدئة إلى المسؤولين الإسرائيليين، تضمنت تأكيد التزام مصر باتفاقية السلام وبالعمل للحفاظ عليها. ونقلت «هآرتس» عن موظفين في وزارة الخارجية الإسرائيلية أن الرسائل نُقلت إلى السفير الإسرائيلي في مصر، اسحاق لفانون، خلال زيارته الوداعية للقاهرة مطلع هذا الاسبوع.
وذكرت «هآرتس» أن التقدير السائد في الخارجية الإسرائيلية إزاء تطور الأوضاع في مصر يشير إلى أن سيناريو قيام السلطة، التي ستتولى الحكم في مصر بعد الانتخابات، بإلغاء اتفاقية السلام مع إسرائيل، فضلاً عن وصول الوضع إلى مواجهة عسكرية معها، هو سيناريو ممكن لكن بمعقولية متدنية جداً. وقال موظفون في الخارجية الإسرائيلية «في هذه المرحلة اتفاق السلام ليس في خطر».
ومع ذلك، أكدت «معاريف» أن الخشية تتصاعد في أوساط المؤسسة العسكرية من احتمال أن يؤدي غياب الاستقرار إلى سيطرة «الإخوان المسلمين» على مصر، بعد أن تمس الاضطرابات فيها بقوة الجيش المصري. ونقلت «معاريف» عن مصدر سياسي قوله إن نتيجة هذا السيناريو المتطرف، والذي رُفع الى الحكومة المصغرة في التقدير الاستخباري السنوي للمؤسسة الامنية، من شأنها أن تكون «تصفية اتفاق السلام مع مصر».
ومع ذلك، تحفظت محافل سياسية على هذه «التقديرات المتطرفة» في المدى القصير. ونقلت «معاريف» عنها أنه حتى لو تعزز الإخوان المسلمون جداً، فالحركة ليست معنية بمواجهة جبهوية مع إسرائيل.
وفي بورصة المواقف من أحداث مصر، أعرب وزير الجبهة الداخلية الإسرائيلي متان فيلنائي، أمس، عن امله في أن يتفادى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية المشير حسين طنطاوي وقوع مصر في «فوضى عامة». وقال «إن الوضع في مصر مقلق وحساس وغير واضح». وكشف عن وجود اتصال مستمر مع «اعضاء المجلس العسكري» ومع طنطاوي، وأضاف «يبدو أن الفوضى الراهنة ستقود في نهاية المطاف الى حصول الاسلاميين على الغالبية لأنهم منظمون ويحظون بدعم مالي قوي، فضلاً عن تواجدهم في كل انحاء مصر ـــــ وهو مبعث القلق الرئيسي بالنسبة إلينا».
ورداً على سؤال حول احتمالات ان تلغى معاهدة السلام بين مصر واسرائيل، قال فيلنائي: «في الوقت الراهن، وأكرر في الوقت الراهن، لا اعتقد أن إلغاء المعاهدة مطروح، لكن عندما يستقر الحكم في مصر بعد عملية انتخابية طويلة يتوقع ان تدوم ستة أشهر، عندها نخشى ان تتعرض تلك المعاهدة للتقويض». وأضاف «نحن مستعدون لمواجهة كافة السيناريوهات، غير أننا نراعي عدم اتخاذ قرارات سابقة لأوانها، لكن في الوقت الراهن لا يبدو الأمر مبشراً».
ولم يقتصر القلق على المستويين السياسي والعسكري تجاه أحداث مصر، بل امتد الى وسائل الإعلام الإسرائيلية التي توقفت عند خطورة تداعيات التغيير المحتمل في مصر. وقال المحلل العسكري للتلفزيون الإسرائيلي في القناة الثانية، روني دانييل، إن إسرائيل تراقب بقلق ما يحدث في ميدان التحرير في القاهرة والعلاقة بين «حماس» في غزة والإخوان المسلمين في مصر، وهل يمكن ان يفكر الإخوان المسلمون في عمل نموذج قطاع غزة في مصر خلال سنتين مقبلتين. ورأى أن ما يحدث في ميدان التحرير أمر خطر يمكن ان يؤدي إلى فلتان الاوضاع في مصر.
بدوره، رأى المعلق العسكري في صحيفة «اسرائيل اليوم»، يوأف ليمور، أن الأحداث في مصر تضع إسرائيل أمام تحد استراتيجي جديد.
وقال إن الموقف من مصر يراوح بين الخطر والتهديد. «الخطر في كل ما يتعلق بالحكم المركزي في القاهرة والتطورات السياسية في الدولة (مع التشديد على تعزيز القوى الاسلامية)، والتهديد في ما يتعلق بالإرهاب ـــــ لا سيما في سيناء».
والمشكلة الاساس، بحسب ليمور، هي امكانية أن يتحقق الخطر فتتحول مصر من دولة سلام الى دولة عدو، وهو يشكل كابوساً حقيقياً.
ويرى أن المسيرة التي تجتازها مصر مقلقة جداً، وهي تهدد بسحب إحدى الركائز الاستراتيجية الأكثر اهمية من اسرائيل والتي، استندت في أمنها اليها في عشرات السنين الاخيرة.
وتحدث المعلق العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، اليكس فيشمان، عن الوجه الحقيقي للقيادة المصرية وعن تقصير فترة الإنذار الاستراتيجي بالنسبة إلى مصر. وقال إنه «حينما سقط مبارك تلقت اسرائيل انذاراً استراتيجياً بأن تبدأ التفكير بمفاهيم جديدة ـــــ قديمة في جبهة المواجهة لمصر، وأمس قصر أجل هذا الانذار الاستراتيجي ـــــ بل ربما قصر جداً».
وتطرق فيشمان إلى القيادة المصرية، فوصف وجهها بأنه «وجه تعب، بلا رؤيا، وجه مشير شيخ»، في إشارة إلى المشير طنطاوي والجنرالات الخاضعين له، الذين هم مصابون، بحسب فيشمان، بنوع من الشلل وبعجز سياسي مخيب للآمال. وأضاف انهم الاشخاص الذين سيُنحيهم الاخوان المسلمون في الشارع المصري في اول فرصة عن الحكم. وتابع يقول «اذا كان لا يزال يوجد في اسرائيل أو في الولايات المتحدة أو في كل مجتمع ديموقراطي آخر شخص يؤمن بأن الجماعة العسكرية في مصر ستأتي المنطقة بالخلاص فهو يحلم».