(1)


ما الذي يمكن للإسرائيليين أن يفعلوه بترسانتهم الضخمة من السلاح؟ حرب أخرى على غزة؟ أهذا هو كل ما تملكه إسرائيل «العظمى» من مجال للحركة؟ حتى حرب كهذه لم تعد مجدية لإنتاج تغيير سياسي. وماذا لدى الكيان الذي كان الأقوى في الشرق الأوسط، والمخفر المتقدم للإمبريالية الأميركية؟ في الواقع، أن الولايات المتحدة توصلت إلى أن هذا المخفر فائض عن الحاجة؛ منذ العام 2008، أعلنت واشنطن أن أمن إسرائيل جزء من الأمن القومي الأميركي. في ظاهر هذا الإعلان، التزام أكيد بالأمن الإسرائيلي، ولكنه ينشئ وضعاً جديداً يقلب المعادلة: مخفر الامبريالية يحتاج إلى مَن يحميه من وراء المحيط.

(2)


منذ العام 1990، اكتشفت واشنطن أن القوة الإسرائيلية الباهظة الكلفة ليست مؤهلة لخدمة الأهداف الإمبريالية؛ بل كان على إسرائيل أن تتحمّل الصواريخ العراقية من دون ردٍ، كان من شأنه أن يُحرج، وربما يخربط، الحرب الأميركية ــــ العربية على العراق. اتضح، إذاً، أن القدرات العسكرية الإسرائيلية، معطّلة استراتيجياً.
بعد احتلال العراق في العام 2003، فكّر الأميركيون بأنه ربما آن الأوان لاستخدام قوة إسرائيل في تحقيق أهداف سياسية على مستوى إدارة الصراع مع إيران وسوريا وحزب الله، فكان عدوان تموز 2006، الفاشل. ولعل هذا الفشل هو الذي حسم القرار بنقل إسرائيل إلى الاستيداع.

(3)


من مكر التاريخ أن حرب اسقاط الدولة السورية، أسقطت، بالعكس، حالة الستاتيكو في الجولان.
الشهداء الخمسة الذين ارتقوا جراء القصف الاسرائيلي في الجولان، فلسطينيون، ولكنهم لا ينتمون إلى «حركة الجهاد الإسلامي»، وإنما إلى «كتائب البعث» التي نعت مناضليها في بيان، كان واضحاً وجود قرار بعدم وضعه تحت أضواء الإعلام.
هناك، على كل حال، واقعة جلية، هي واقعة إطلاق الصواريخ. إنها رسالة لما سيأتي، ردّت عليها إسرائيل بقصف جوي فارغ استراتيجياً؛ ففي النهاية، ما نتج عن المواجهة هو اعتراف السفارة الأميركية في تل أبيب بأن «الجولان المحتلّ»، لم يعد آمناً. وهي تطلب من رعاياها توخي الامتناع عن زيارته.

(4)


المحاولات الإسرائيلية الجزئية والمحدودة للتدخل في الحرب السورية، أظهرت أن إسرائيل غير قادرة على التحرك، بسبب الجدار المقاوم في الجبهة الشمالية، وممنوعة من التحرك، لأن الولايات المتحدة كانت قررت أن كسر قوة حزب الله ــــ سوريا ــــ إيران، ليس ممكناً، أو، للدقة، أصبح مكلفاً وغير قابل للتنبؤ بتطوراته؛ في المقابل، يمكن الشروع في بناء تفاهمات إقليمية، تبدأ من تسوية الملف النووي الإيراني والاعتراف بإيران كقوة رئيسية في الشرق الأوسط.


(5)


أيهود باراك، (بطل الهروب من لبنان) كشف النقاب عن محطات فكّر فيها الإسرائيليون بمهاجمة إيران؛ في العام 2010، لم يكن الجيش جاهزا؛ وفي العام 2011، انشقت الحكومة الإسرائيلية حول قرار الحرب؛ وفي العام 2012، أبلغت واشنطن الصبية المشاغبين في تل أبيب، أن يجلسوا، جانبا، هادئين.
شُوهدَتْ إسرائيل، في الأخير، تدور حول الدوائر الأميركية، وهي تعوي ككلب مهجور ومذعور، من دون أن تحظى حتى بالشفقة. وبالنتيجة، ربحت إيران المعركة مع إسرائيل، واحد ــــ صفر. إيران، الآن، هي القوة الأكبر في المنطقة.


(6)


بات الإرهاب، البند الأول على جدول الأعمال الدولي والإقليمي؛ لكن أحداً، في الشرق أو الغرب، وجه الدعوة لإسرائيل للمشاركة. من جهتها سعت إلى البحث عن دور في محاربة الإرهاب في سيناء، لكن القاهرة أوصدت الباب.
بغض النظر عن المآلات المخيّبة للآمال في المجالين الديموقراطي والاجتماعي، للحراك المصري منذ 25 يناير؛ فإن هناك نتيجة استراتيجية حصلت فعلياً: لم تعد معاهدة كامب ديفيد تقيّد العلاقات الإقليمية والدولية لمصر. وإذا وضعنا الشكليات جانبا، يمكننا القول إن مفاعيل كامب ديفيد أصبحت فائتة؛ فنظام عبدالفتاح السيسي استغل قدرته على تلافي الانهيار المصري، بمآلاته بالغة الخطورة، لفرض قواعد جديدة للعبة مع الأميركيين، تمكنه من تنويع علاقاته الدولية، وتحسين قدرة القاهرة على المناورة والاستقلالية، ووضع حد للالتزامات نحو إسرائيل. الحرب التي يخوضها الجيش المصري على الإرهاب، هي، في الواقع، عملية تنطوي على استعادة كامل السيادة المصرية على سيناء.

(7)


الجبهة الأخيرة، الأردنية، هي، أيضا، يمكن أن تكون مغلقة أمام إسرائيل؛ فحقيقة استيعاب ما يزيد على أربعة ملايين فلسطيني في المملكة، يجعلها قادرة، موضوعياً، على فرض شروطها السياسية. على مستوى آخر، هناك حقيقة التفوّق الجغرافي الأردني الذي يسمح ببناء منظومة دفاعية قليلة التكلفة.
المشكلة، هنا، أن النظام الأردني ليست لديه طموحات استقلالية، لكن تغييراً وطنياً ــــ ديموقراطياً في البلاد، يمكنه أن يُطبق الحصار على إسرائيل، نهائياً.