قيل إن الولايات المتحدة، في مشروعها الإمبراطوري، تريد أن تكون «روما العصر». بالأمس كانت كوندليزا رايس في روما. كانت امبراطورة.

ترى وزيرة الخارجية الأميركية غير ما يراه غيرها. وأحيانا عكس ما يراه الآخرون. لقد صرحت في واشنطن، وكررت في إسرائيل، أن ما يحصل في لبنان هو «ألم المخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد».
يعاين كثيرون الألم ويعانونه. وحدها رايس تستبشر بولادة قريبة. ينتاب المرء شعور بأنه سمع هذا الكلام من قبل. لقد كان عنواناً للحرب على العراق ازداد التركيز عليه مع السقوط التدريجي للذرائع الأخرى: لم نجد أسلحة دمار شامل، وها نحن في بغداد، فلنبن الشرق الأوسط الديموقراطي. لكن هذا الشرق الأوسط يرفض أن يولد. المثال العراقي قاطع وواضح. الفوضى عارمة والمقاومة من مكوناتها. ولا يجد جورج بوش ما يستقبل به نوري المالكي، بعد سنوات الاحتلال، إلا الثرثرة عن «الشراكة» وضرورة «بدء الهجوم المعاكس».
الديموقراطية العراقية مؤجلة بالتأكيد. والديموقراطية التي حاولت أن تولد في فلسطين واجهت القرار الأميركي ـــــ الإسرائيلي بوأدها.
يبدو أن الدور وصل إلى لبنان. إنه، الآن، حقل التجارب المختار لاستيلاد الشرق الموهوم، ولجعل «ثورة الأرز» تعطي ثماراً. هنا أيضاً الاحتمال الراجح هو الفوضى. إنها أفق المشروع الأميركي الإسرائيلي ما لم يتم فوراً وقف إطلاق النار وبلا شروط.
تصرّ رايس على أن لبنان يعيش «فرصة» لا «أزمة». فرصة قد لا تتكرر وينبغي عدم اضاعتها بـ «وعد كاذب» هو الاسم الذي أطلقته على وقف النار. إن الخراب اللبناني خصب في رأي الإدارة الأميركية. سيضع، عبر العملية القيصرية الإسرائيلية، مولوداً هو «الديموقراطية من دون إرهاب». وستنتصب هذه، إلى جانب شقيقتها العراقية، من أجل أن تحجبا أنوار الديموقراطية الفلسطينية المقرونة بالإرهاب، ومن أجل أن تعمّ أنوارهما الشرق الأوسط.
لا تفعل رايس سوى الاستعادة المبتذلة لأطروحات «المحافظين الجدد». يحصل ذلك بعدما تراءى للبعض أن نفوذهم يتراجع وأن «الواقعية» عاودت صعودها إلى موقع الهيمنة في واشنطن. لقد نسب إلى الوزيرة أنها تمثل تياراً يريد إعادة تركيز السياسة الخارجية لبلادها بعيداً عن تأثيرات المجموعات العصابية، إلا أن ما نشهده في لبنان يخالف هذه التقديرات.
إن المشكلة هي في ما تسميه رايس «معالجة جذور المشكلة». ففي رأيها أن العنف لا يستدعي وقف النار بل القضاء على أسباب العنف. وأسباب العنف عندها هي وجود «عنيفين» يتوجب استئصالهم. أما الجذر الأعمق الخاص ببروز «العنيفين» فغير موجود. وهكذا يصبح كافياً إزاحة ممارسي العنف حتى تبزغ الديموقراطية.
تدلّ الأمثلة كلها، في منطقتنا والعالم، على بؤس هذه النظرية. لكن رايس متمسكة بها باسم الإدارة البوشية الغرائزية. لم تفعل الوزيرة سوى تعديل الاسم. كنا في «الشرق الأوسط الكبير» فبتنا في «الشرق الأوسط الجديد». هذه مساهمتها في تنقيح أطروحة «المحافظين الجدد». إلا أنه تنقيح يستعيد التسمية التي يمتلك شمعون بيريز حق ملكيتها. لقد كان رأيه، أوائل التسعينيات، أن الشرق الجديد سيولد من عملية السلام. أما رأيه، ورأي رايس، اليوم، فأن الولادة لا تشترط السلام المسبق. يكفي العنف حتى تلد المنطقة ما يريده لها الحلف الأميركي ـــــ الإسرائيلي أن تلد حتى لو لم تكن حاملا به، ولو لم تكن حاملاً أصلاً.

26 تموز 2006