عند الثامنة من صباح هذا اليوم، قبل عام بالضبط، عاد الملازم نير ليئون إلى مركز السرية التي يرأسها، الكائن بالقرب من مستوطنة زرعيت. كان ليئون يشعر بالإنهاك بعد ليلة طويلة قضاها مستنفراً عند النقطة 103 من خط السياج الحدودي. كانت وحدة الاتصال قد أبلغته نداء «المزرعة الحمراء»، ما يعني أن السياح الحدودي قد تعرّض للمس. حصل ذلك عند الثانية والنصف فجراً. لكن ليئون ومعه مجموعة جنود توجهوا الى نقطة الإنذار. فشل في تشخيص أي حركة مشبوهة. كان الظلام يلف المكان بأكمله. لكن الإنذارات توالت ومن أماكن مختلفة من منطقة المسؤولية الخاضعة للسرية. كان عليهم البقاء في وضعية تأهب حتى الصباح محاولين عبثاً العثور على ضالتهم في العتمة المحيطة.

إلى جانب الحمامات في معسكر السرية، التقى ليئون بالجندي احتياط، إيهود غولدفاسر (31 عاما). كان الأخير يستعد مع ستة جنود آخرين لتسيير دورية إلى المكان الذي سجلت فيه الإنذارات خلال الليل للوقوف على حقيقة ما جرى. تقدم ليئون من غولدفاسر، المشغول بتنظيف أسنانه، وسلمه سجل الملاحظات الذي أعدّه عن أحداث تلك الليلة، مرفقاً إياه بالقول: «اسمع، كانت ليلة مخيفة جداً. بحسب ما بدا لي، هناك على الأقل عشرون فرداً من حزب الله اجتازوا الحدود».
لم يأخذ غولدفاسر بكلام ليئون على محمل التحذير الاحمر. كان، كما بقية الجنود في الوحدة، في مزاج مبتهج. اليوم ينهون خدمة الاحتياط التي استمرت 28 يوماً. وكان ورفاقه قد أمضوا آخر أسبوعين منها في حالة تأهب منهكة. وذلك بعد نجاح مقاتلين فلسطينيين في أسر الجندي جلعاد شاليط في غزة. وفي يومهم الأخير كانوا في وضعية مختلفة. وحسب تقرير التحقيق الذي أجري لاحقاً برئاسة الجنرال احتياط دورون ألموغ، فإن غولدفاسر انطلق والجنود الستة في دوريتهم التفقدية للسياج الحدودي «كمن يخرج في نزهة».
استقل الجنود السبعة آليتي الهامر المصفحتين. ركب غولدفاسر السيارة التي تقدمت الدورية. جلس بصفته قائد الدورية الى جانب السائق، رازق موعادي، ومن خلفهما جلس ألداد ريغيف وتومار فاينبرغ. أما الجنود الثلاثة الآخرون، وسيم نزال، شيني تورجمان، والمسعف العسكري أيال بنين، فقد أخذوا أماكنهم في الهامر الثاني.
قبل الدخول في مسار الدورية، توجهت السيارتان الى مستوطنة زرعيت. أخذ الهامر الأمامي نداء «يشيمون 4»، وهو النداء المعتمد في شيفرة الاتصال اللاسلكي الخاصة بذلك القطاع بينما أطلق على الهامر الآخر نداء «يشيمون 4 ألف». في المستوطنة الحدودية كان ريغيف قد ركن سيارته الخاصة. عمد هو وتورجمان، إلى وضع أغراضهما الشخصية فيها كسباً لوقت العودة إلى الحياة المدنية بعد انتهاء عملية التبديل. إذ كان يفترض أن تجري في ظهيرة اليوم نفسه عملية تسليم المهمة الى الكتيبة الدرزية التابعة للواء 300 لتحل مكان الكتيبة التي ينتمي إليها غولدفاسر ورفاقه، التابعة للواء المشاة 5.
عند الثامنة والدقيقة الخامسة والأربعين من صبيحة الثاني عشر من تموز 2006، بدأت الدورية الإسرائيلية مهمتها التي ستنتهي بعد نحو ربع ساعة بشرارة تشعل حرباً هي الأطول والأعنف في تاريخ إسرائيلقبل سنة من تاريخ 12 تموز العام 2006، كان الخط الحدودي بين فلسطين المحتلة ولبنان مسرحاً للعبة شد أعصاب. المقاومة الاسلامية أعدت آليات لإدارة اللعبة هناك، محوّلة الجيش الإسرائيلي إلى كتلة من التوتر الدائم. ركض داخل حلقة مفرغة وعملية استنزاف نفسي. المقاومة تكرّر في كل مناسبة نيتها الصريحة أسر جنود إسرائيليين. ويعرف الجنود الذين يخدمون في الجبهة الشمالية، أن عمليات عدة نفذها رجال حزب الله لتحقيق هذا الهدف. وحتى اللحظة لا تزال بعض هذه العمليات طيّ الكتمان.
لم يكن بمقدور أحد في إسرائيل، تجاهل حركة المقاومة. القيادة السياسية تتولى إطلاق التحذيرات، والقادة في الميدان يرفضون أي نوع التساهل أو الاستخفاف، وتصرفت قيادة المنطقة الشمالية على أساس أنها أمام تهديد مفتوح. حتى بلغ الأمر بغال هيرش، قائد فرقة الجليل التي يقع الجزء الأكبر من الحدود ضمن منطقة مسؤوليتها، حد الهوس بالأمر. وبالنسبة إليه فإن خطر الأسر يحتل رأس أولويات فرقته منذ تسلم قيادتها قبل نحو عام. وقد دأب على القول لمرؤوسيه من الضباط «نحن فرقة لمنع عمليات الاختطاف»، مشدداً على أن الهدف الأساسي لمثل هذه العمليات، من وجهة نظره، هو الجنود وليس المدنيين.
هيرش ومسؤوله المباشر، قائد المنطقة الشمالية، الجنرال أودي آدم، كانا قد أعلنا غداة أسر جلعاد شاليط في غزة، رفع حالة التأهب على خط الجبهة مع لبنان إلى الدرجة الثالثة. التدبير كان احترازياً، ولم يستند إلى معلومات محددة تفيد بوجود إنذار موضعي يتعلق بإعداد حزب الله لتنفيذ عملية ما في تلك الفترة. ولمزيد من الاحتياط، طلب آدم وهيرش من هيئة الأركان العامة تعزيز قواتهما المنتشرة على الخط الحدودي، كما طالب هيرش باستبدال كتيبة الاحتياط في زرعيت، معتبراً أنها غير مؤهلة لمواجهة التهديد المتزايد على الحدود. ومع ذلك فلم يسمع له أحد في القيادة العليا. مع مرور الوقت، عاد الاسترخاء ليحل على فرقة الجليل. ومع عدم تلقيها أية معلومات استخبارية عن عمل ما وشيك لحزب الله، قرر هيرش، في العاشر من تموز، خفض حالة التأهب إلى الدرجة الثانية، ثم قرر إعطاء الإذن للآليات العسكرية بالتنقل على مقاطع محددة من الطريق الحدودية، وهي مقاطع كان استخدامها ممنوعاً عليها في ظل تأهب الدرجة الثالثة. عند أحد هذه المقاطع القريب من مستعمرة زرعيت، توجد النقطة «105» التي كانت دورية غولد فاسر في طريقها إليها.
أمسك غولدفاسر بقبضة جهاز الاتصال اللاسلكي المُنَصَّب في آلية الهامر، مطلقاً تحية الشروع في المهمة «إلى جميع محطات يشيمون 4، صباح الخير. الدورية الأخيرة في الجندية. وقتاً ممتعاً للجميع». وبحسب تقارير التحقيقات الإسرائيلية، فإن المسار الذي سلكته الدورية لم يكن محدداً مسبقاً. لم يأخذ شكل المحور التقليدي، بل إن غولدفاسر تولى رسمه ارتجالاً بحيث اتخذت الدورية طابع الفحص المفاجئ.
عند الساعة التاسعة والدقيقة الواحدة حلت ساعة الصفر. فتح المقاومون النار بكثافة ودقة في آن. الهامر الخلفي أُمطر برشقات نارية من العيار الثقيل، تزاوجت مع صواريخ موجهة مضادة للدروع. الإصابات كانت قاتلة: السائق، وسيم نزال، قُتل داخل الآلية، فيما تمكن الجنديان الآخران، شيني تورجمان وأيال بنين، من القفز خارجا حيث كانت صليات النيران الرشاشة بانتظارهما لإلحاقهما بزميلهما. لاحقا، عند التحقيق في حادثة العملية، تبين أن بنادقهما التي كانت ملقاة إلى جانب جثتيهما، لم تكن ملقمة.
أصداء الإنفجارات المتصاعدة من منطقة العملية اختلطت بأصوات القصف الذي باشرته مدفعية المقاومة باتجاه مواقع الإحتلال الحدودية بهدف التمويه الناري ودفع العدو إلى الإعتقاد بأن الأمر يتعلق باشتباكات "روتينية" من الطراز الذي تشهده الجبهة بين الفينة والأخرى. كما عمد أفراد وحدة القناصة المتموضعون في أماكنهم الكاشفة إلى "إطفاء" العيون الإلكترونية للجيش الإسرائيلي من خلال استهداف كافة الكاميرات المنتشرة على الحافة الحدودية.
من حيث كان مختبئا داخل الكتل الحرشية المجاورة، اتصل موعادي عبر هاتف خليوي كان يحمله بأخيه وأخبره بأمر العملية. في الوقت نفسه كان رقيب السرية الأول، الذي كان يتابع الإتصال اللاسلكي مع الدورية يبلغ نائب قائد السرية نداء الإغاثة الذي تلقاه، فسارع الأخير إلى نقل البلاغ إلى قيادة الكتيبة حيث بدؤوا عبثا يحاولون الإتصال بها.
مرت دقائق طويلة قبل أن يصل البلاغ إلى قائد الكتيبة. وعند الساعة التاسعة والدقيقة السابعة والعشرين، أي بعد ست وعشرين دقيقة على فتح النار، أفاد الأخير قيادة الفرقة بما حصل طالبا إعلان "هنيبعل" للبدء بتنفيذ مجموعة من التدابير الخاصة بمواجهة عملية أسر.