لأكثر من ست سنوات، ما بين انسحاب إسرائيل في شهر أيار 2000 من لبنان واندلاع الحرب في شهر تموز 2006، توخّت القيادة الإسرائيلية احتواء تهديد حزب الله. ولمّا كانوا مشغولين بالانتفاضة الفلسطينية المتجددة في الضفة وقطاع غزة وتمدّد الحملات الإرهابية، أمل صانعو السياسة الإسرائيليّون أن يكون التحفّظ كافياً. لقد تقوقعوا في سياستهم برغم استفزازات حزب الله كخطف الجنود، وقصف الكاتيوشا، والهجمات الإرهابية التي تخترق الحدود. ليس الردّ القاسي على حزب الله هو وحده ما هدّد بفتح جبهة ثانية، وربما التصعيد مع سوريا، لكنّ الساسة الإسرائيليّين كانوا يكرهون تراجع التطور الاقتصادي في شمال إسرائيل الذي تلى الانسحاب من لبنان.

هذا لا يعني أن الساسة الإسرائيليين لا يأخذون حزب الله على محمل الجد. فبعد ترك جنوب لبنان، رأى الساسة أن هذه المجموعة سوف تكون مزعجة، ولكن في السنوات الماضية، تغيّر تخمينهم، واعترفوا بأن حزب لله بات تهديداً استراتيجياً. في تموز 2003، قام رئيس هيئة الأركان الأسبق الجنرال شاؤول موفاز، الذي أصبح في ما بعد وزيراً للدفاع، قام وحذر من نمو تهديد حزب الله. وحذّر أيضاً وريثه، الجنرال موشيه يعلون، من أنّ معظم شمال إسرائيل لم يكن محصّناً ضد صواريخ حزب الله.
العديد من قادة الجيش الإسرائيلي اعتقدوا بأن قليلاً من القوة، أو حتى الدبلوماسية، يمكن أن يكفي لتقليص التهديد. قائد المنطقة الشمالية أودي آدم، على سبيل المثال، قال: «ليس هناك شيء يمكن حلّه فقط بالسبل العسكرية... هناك حاجة لحل دبلوماسي»، مضيفاً: «أنا لا أؤمن بأن أحداً يريد العودة إلى لبنان».
الكبح الإسرائيلي انتهى في 12 تموز 2006، عندما هاجم مقاتلو حزب الله دورية إسرائيلية على الجانب الإسرائيلي من الحدود، واختطفوا جنديين. الهجوم جاء بعد 19 يوماً فقط من قيام الفلسطينيين بخرق الحدود من جانب غزة. رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير الدفاع عمير بيرتس أمرا برد فعل قاسٍ. رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي دان حالوتس، الذي لم يأتِ على ذكر لبنان مطلقاً في كلمته أمام مؤتمر هرتسيليا قبل الحرب بسبعة أشهر، أشار إلى أن «الطريقة التي ننهي بها هذه (العملية في لبنان) ستكون لها نتائج على الشرق الأوسط برمّته». لقد كان محقاً. فانتهاء العمليات العسكرية في 14 آب 2006، مع صدور قرار الأمم المتحدة رقم 1701، كانت لها دلالات على المنطقة برمتها.
فشل التحضير
مباشرة بعد صمت البنادق، بدأ القادة الإسرائيليون بتقويم وضعهم الجديد. كان هناك اضطراب. تصريحات النصر كانت جوفاء. وفيما كان القادة السياسيون والعسكريون يختلفون حول المسؤولية، عيّنت الحكومة لجنة تحقيق ترأسها القاضي إلياهو فينوغراد. كان واضحاً أنّ أخطاء استراتيجية قد ارتكبت.
لقد اقترفت أعلى المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية أخطاءً استراتيجية في الإعداد، وخلال التنفيذ، وفي نتائج الحملة العسكرية على لبنان عام 2006. وقد مكّنت هذه الأخطاء، مجتمعة، حزب الله من أن يصمد ضد الجيش الإسرائيلي الأكبر، والأفضل تجهيزاً.
الفشل في الإعداد أضعف العمليات الإسرائيلية منذ البداية. قبل الحرب، كان لدى المخططين الإسرائيليين توقعات غير واقعية عن النزاع المسلّح مع حزب الله. بعض الإحجام الإسرائيلي عن التخطيط لأي عمل داخل لبنان ربما يكون تجذّر أثناء حقبة رئيس الوزراء السابق آرييل شارون. فقد أدار شارون، كوزير دفاع، حرب لبنان عام 1982، والكثير من الإسرائيليين اعتبروه مسؤولاً عن الوضع المشوّش الذي تلى الحرب. عام 1983، وجدت وكالة كاهان شارون متهاوناً بسبب فشله في وقف مجزرة القوات اللبنانية في المخيمات الفلسطينية في صبرا وشاتيلا. وربما كانت محاولات شارون اللاحقة لإصلاح صورته خلال فترة رئاسته للوزراء، ستضعف إذا ما حاول توريط القوات الإسرائيلية في لبنان مرة ثانية.
أمّا إهمال رئيس هيئة الأركان تجاه لبنان، فعكس الادعاء الإسرائيلي عن استبعاد أية حرب برية على الحدود الإسرائيلية...
نتيجةً لكل ذلك، فشل الجيش الإسرائيلي في تقويم حاجاته قبل الحرب بشكل دقيق. شاؤول موفاز، وزير الدفاع بين تشرين الثاني 2002 وآذار 2006، قام بجدولة انخفاض تدريجي في التجنيد الإلزامي للخدمة العسكرية، وأسّس قانوناً جديداً يقصّر مدة مأمورية الاحتياط ويقلّص التدريب. وبحسب اللواء بيني غينتس، قائد القوات البرية الإسرائيلية، فإن الحكومة قد حسمت من مخصصات تدريب وحدات الاحتياط بحوالى 800 مليون دولار منذ عام 2001. تحديد الموازنة أوصل الجيش الإسرائيلي أيضاً إلى تقليص حجم تصنيع الدبابات، وضغطت قيادات لها علاقة بالميزانية على الجيش الإسرائيلي من أجل وقف إنتاج دبابة الميركافا. في المقابل، وبسبب الكلفة، تراجع الجيش الإسرائيلي عن تركيب منظومة تروفي المضادة للصواريخ على معظم الدبابات ولم يزوّد سلاح الجو الإسرائيلي بقنابل مدمّرة للمخابئ المحصّنة. عدد قليل فقط من القوات الخاصة تلقى تدريبات تحاكي العمليات في جنوب لبنان، ولكن حتى هذه الوحدات افتقرت إلى معلومات استخبارية جديدة عندما جاءتها الأوامر بعبور الحدود...
ثمّة ضعف إسرائيلي ضمني آخر، يكمن في فشل القيادة في الإقرار بأن العملية ضد حزب الله هي حرب أكثر منها هجوماً انتقامياً أو عملاً عسكرياً محدوداً. فالحكومة الإسرائيلية، لم تعلن حالة الطوارئ، أو تستخدم قواها الإدارية القانونية في زمن الحرب. التباطؤ في تعبئة قوات الاحتياط وتحريكها عكس فشلاً عسكرياً قيادياً في إدراك واقع أنه يواجه حرباً.
لقد فشلت القيادة الإسرائيلية أيضاً في فهم الدلالة الاستراتيجية لهجمات الكاتيوشا المتراكمة. إعلان الجيش الإسرائيلي عن أهدافه الإستراتيجية التي قُدمت للحكومة الإسرائيلية في بداية النزاع، أخفق حتى في تحديد المناطق المحمية والآمنة. طوال سنوات، تجاهل أعضاء الاستخبارات الإسرائيلية جمع معلومات استخبارية في ما يخص صواريخ حزب الله القصيرة المدى. رأت قيادات عسكرية هذا النوع من الصواريخ كأسلحة ذات خطورة قليلة بسبب عدم دقتها وصغر رؤوسها الحربية. في المرحلة الأولى للحرب، قال حالوتس إن «الصواريخ القصيرة المدى ليست سلاحاً حاسماً». ولكن الحرب أظهرت سكان شمال إسرائيل غير مهيَّئين لمقاومة وابل كثيف من الصواريخ. معظم الصواريخ القصيرة المدى سقطت في مناطق مفتوحة وسبّبت أضراراً صغيرة، ولكن 25% مما يقارب الأربعة آلاف صاروخ التي تم إطلاقها أصابت مناطق مدنية وأصابت كل شمال إسرائيل بالشلل: الميناء الرئيسي، المصافي، والكثير من المنشآت الاستراتيجية الأخرى. أكثر من مليون إسرائيلي سكنوا في الملاجئ وحوالى 300،000 تركوا منازلهم بشكل مؤقت، وطلبوا ملجأً في الجنوب. كان أولمرت مخطئاً جداً في قوله في الثالث من آب 2006، إن الحرب لا يمكن قياسها بعدد الصواريخ التي تسقط على إسرائيل. وابل الكاتيوشا المستمر بالسقوط على المدن في شمال إسرائيل دعم ادّعاء حزب الله بأنه انتصر. فقط في المراحل الأخيرة للحرب، أصبحت محاولة الحد من وابل الكاتيوشا هدفاً عملياتياً.
كان فشل إسرائيل في رصد المبالغ الكافية من أجل تطوير منظومة ملائمة للدفاع الصاروخي لتأمين حماية من تهديد حزب الله خطأً استراتيجياً. وفيما ابتدعت المصانع العسكرية الإسرائيلية عدة ردود تكنولوجية ضد الصواريخ القصيرة المدى، فإن إسرائيل ترفّعت عن استخدامها عملياتياً. فقط بعد الحرب، في شباط 2007، صادق وزير الدفاع على تطوير أنظمة الأسلحة الدفاعية ضد الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى. فأنظمة شركة رفائيل المطورة أخيراً سوف تدافع ضد صواريخ القسام، الكاتيوشا، والصواريخ الإيرانية الصنع المتوسطة المدى من نوع زلزال، بينما يمكن لصاروخ أرو الموجود والموضوع في الخدمة أن يحمي من الصواريخ السورية والإيرانية الطويلة المدى.
شكل الاعتماد الزائد على القوة الجوية حماقة استراتيجية أخرى. ففيما كان الجيش الإسرائيلي ممجّداً بسبب قوته الجوية، حتى التسعينيات، حسب هذا الجيش أن القوات البرية قد تكون حاسمة لأجل النصر. لاحقاً، بعد حرب الكويت عام 1991، بدأ العديد من الاستراتيجيين العسكريين، ليس فقط في الولايات المتحدة، ولكن أينما كان، بدأوا باعتبار القوة العسكرية مغرية. ووسط القادة السياسيين، غدت القوة الجوية تحديداً مغرية. فهي توفر قدرة تدميرية ضخمة من دون مخاطرة كبيرة في الخسائر البشرية. اللواء إيتان بن إلياهو، القائد السابق لسلاح الجو الإسرائيلي، اعترف بأن التحديد بواسطة التكنولوجيا الجديدة كان إدمانياً وحجب التفكير.
لقد أقنعت قيادة سلاح الجو الساسة الإسرائيليين بأن سلاح الجو يمكنه أن يمدّد دوره العسكري إلى ما بعد المهمات الجوية التقليدية، ويمكنه أن يجاري بفاعلية التحديات الأمنية الجديدة. حالوتس قاد سلاح الجو بين نيسان 2000 وتموز 2004، وحماسته للقوة الجوية كانت واضحة. كرئيس لهيئة الأركان، خطط حالوتس لتخفيف الاعتماد على القوات البرية وزيادة الاعتماد على القوات الجوية.
سعى الجيش الإسرائيلي لمعالجة النزاع بواسطة تعاون بين سلاح الجو والقوات الخاصة. يوفال شتاينيتس، عضو سابق في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، سأل عن مغزى إعطاء سلاح الجو هذه الأفضلية على المستوى المالي وأيضاً على المستوى النظري، ولكنه كان الاستثناء الخارج عن القاعدة.
الحساسية المفرطة جراء القتلى أعاقت العمليات الإسرائيلية أيضاً. اللواء أليعازر شتيرن، رئيس شعبة القوة البشرية، اشتكى بعد الحرب من أن الجيش الإسرائيلي لم يكمل بعض المهمات بسبب القتلى والإصابات، وهذا التقدير يوافق عليه اللواء المتقاعد يورام يئير، رئيس إحدى لجان التحقيق في إحدى الحروب السابقة للجيش الإسرائيلي.
خلال الحرب، عارض حالوتس القيام بغزو بري على لبنان، إلا كمحاولة أخيرة. حتى عندما قرر أولمرت وبيرتس إدخال قوات خاصة إلى لبنان للتعامل مع تهديد صواريخ الكاتيوشا، عارض حالوتس عملية برية واسعة النطاق. تردد حالوتس مكّن حزب الله من الاستمرار بإطلاق وابل صواريخه إلى إسرائيل لمدة شهر.
فالإحجام عن توريط القوات البرية في معركة يوسع الهوة بين القيادة الإسرائيلية والشعب. القادة السياسيون والعسكريون أساؤوا الحكم على مرونة الشعب الإسرائيلي. ففي بداية عام 2004، أكّد يعالون أن الحلقة الأضعف في الدفاع الوطني الإسرائيلي هي الافتقار للثبات الشعبي. فيما قال أولمرت عام 2005، «لقد تعبنا من القتال، لقد تعبنا من كوننا شجعاناً، لقد تعبنا من النصر، لقد تعبنا من هزيمة أعدائنا». أما قائد المنطقة الشمالية الحالي اللواء بيني غينتس فقال إنه في حين كان قلقاً من صواريخ حزب الله، فقد كان مهتماً أكثر بقدرة الشعب الإسرائيلي على الصمود أمام ضغوط الحرب.
اهتمامات كهذه لم توضع في مكانها الصحيح. المجتمع الإسرائيلي أظهر ثباتاً عالياً، حتى خلال حروب الاستنزاف. الإسرائيليون لم يستسلموا للانتفاضة الفلسطينية التي بدأت في شهر أيلول عام 2000، وهو إحساس انعكس في استطلاعات جديدة للرأي. كان يمكن للمجتمع الإسرائيلي أن يمتص خسائر أكثر في سبيل وضع نهاية حاسمة لتهديد حزب الله. حتى الأهالي الذين فقدوا أحد أبنائهم في حرب حزب الله دعموا توسيع العمليات...
تكلفة خطأ الحسابات لدى القيادة الإسرائيلية في موضوع القوة الاجتماعية تتخطى الفرص الضائعة. لقد دلّ إحجام إسرائيل عن توريط القوات في حرب برية، على ضعف. الفهم السائد داخل العالم العربي بأن الشعب الإسرائيلي حسّاس للخسارة البشرية، هو فهم يستحضر العنف. إنّ اعتقاداً مشابهاً هو ما حرّك الفلسطينيين لتجديد انتفاضتهم في أيلول عام 2000.

*إفرايم عنبار (بروفسور في الدراسات السياسية في جامعة بار إيلان ومدير مركز بيغن ــ السادات للدراسات الاستراتيجية)



الجزء الأول | الجزء الثاني