في لبنان حكماء. لا يطيق هؤلاء «الحسابات الخاطئة» ولا، طبعاً، «التوقيت السيئ». يوحون أن الحسابات التي يجرونها في منتهى الدقة ويدينون، بناءً على ذلك، عملية 12 تموز . إن الرد الإسرائيلي هو الذي جعلهم يكشفون الخطأ وقد سارعوا الى الاستنتاج مع أن المواجهة لم ترسُ على نتيجة حتى الآن. يتجاهل هؤلاء أمرين على الأقل.الأول هو أن اسرائيل تشهد بدايات نقاش في شأن «الحسابات الخاطئة» التي أجرتها. ويطال هذا النقاش رفع السقف السياسي للمطالب، وأداء الجيش، وفعالية القوات الجوية، ودور القوات البرية، ودقة المعلومات الاستخبارية، الخ... وإذا كان هناك، في لبنان، من فوجئ بحجم العدوان فإن هناك، في إسرائيل، من فوجئ بالمقاومة.

الأمر الثاني، والأهم، هو أن ضراوة المقاومة تؤكد كم هي خاطئة نظرية «الحسابات الخاطئة». فأصحاب هذه النظرية، أو معظمهم على الأقل، يدعون منذ حوالى سنتين الى تطبيق القرار 1559. لقد ألحّوا على ذلك، وجعلوه عنواناً لسياستهم الداخلية، وغامروا بتوتير الأجواء في لبنان. ولما كان ينهض من يقول لهم إن القرار المشار اليه ينهض على «حسابات خاطئة» لأنه لا يشير من بعيد أو من قريب الى الأداة التنفيذية التي ستتولّى تجريد «الميليشيات» من سلاحها، كانوا يحارون جواباً. وحتى لمّا قيل إن الأداة الوحيدة المحتملة هي اسرائيل كان الرد جاهزاً: لا نقبل أي تخوين.
المهم، اليوم، أن إسرائيل هي التي انتزعت تفويض «بسط السيادة اللبنانية». لكن الأهم هو أنها تواجه الصعوبات التي نعرفها وذلك برغم جبروتها العسكري والدعم الدولي الذي تتلقّاه. والتواطؤ العربي غير المسبوق معها. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، والحالة هذه، هو عن تلك الحسابات الدقيقة التي أقدم عليها الدعاة اللبنانيون لتطبيق القرار 1559 أن يكونوا قد أخطأوا الحساب أفضل، بالنسبة اليهم، من أن تكون اسرائيل في حسابهم أصلاً.
إن الدعاة، إياهم، هم الذين رفعوا، في الشهور الأخيرة، شعارات متطرفة لم تعرف طريقها الى التحقّق. وللمرء أن يتذكر، فحسب، تظاهرة 14 شباط وخطاباتها وبرنامجها. ولعل هذه الاستعادة تفيد في ترطيب الذاكرة والتأكد من أن هناك في لبنان من لا يخطئ الحسابات السياسية فقط بل من يعجز عن احتساب أكثرية الثلثين في مجلس النواب.
إن المناخ العام الذي يظلّل المنطقة كلها هو المناخ المتشكل من «الحسابات الخاطئة»التي أجرتها الولايات المتحدة في العراق. لا نتحدث، هنا، عن الذرائع الكاذبة للحرب. نتحدث، خصوصاً، عن حسابات القوات الضرورية لتلك الحرب، وعن كلفتها. ونتحدث، بشكل أخص، عن الوقائع التي أعقبت «اليوم التالي» لتلك الحرب. يصعب أن نجد تقديراً أميركياً واحداً ثبت أنه صحيح أو دقيق. ولئن كانت الإدارة في واشنطن تعاند حتى الآن فما بات محسوماً أنها تعاطت مع بلد من نسج خيالها. ولا يقلّل من أهمية ذلك أن نصف الأميركيين يؤكدون، اليوم، أن العراق كان يملك أسلحة دمار شامل، وأن أكثر من النصف يحسم في أمر العلاقة بين صدام حسين وأسامة بن لادن!
من المبكر تقويم «حسابات 12 تموز» لكن من الضروري التنبيه الى أن من تأكد خطأ حساباتهم ليسوا في موقع التلويح بمحاسبة أحد.

28 تموز 2006