كوّنت الأهداف غير الواقعية إعداداً هزيلاً. القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون أخطأوا في اعتقادهم بأن الضغط الإسرائيلي على حزب الله والحكومة اللبنانية الضعيفة يمكنه أن يؤسس عملية سياسية يكون بموجبها الجيش اللبناني قادراً على احتكار استخدام القوة في لبنان. منذ المراحل الأولى للحرب، أصرّ القادة الإسرائيليون على إمكان تشجيع لبنان ليصبح دولة معتدلة وأن الجيش الإسرائيلي يمكنه أن يدمّر حالة الدولة داخل الدولة التي يقيمها حزب الله. رئيس الحكومة إيهود أولمرت رأى في القوة وسيلة لتنفيذ القرار 1559، الذي دعا إلى تقوية الحكومة في لبنان عبر إزالة القوات الغريبة وتفكيك الميليشيات. أولمرت قال إن العملية العسكرية مثّلت «تقريباً فرصة استثنائية لتغيير القواعد في لبنان». وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أوضحت أن الهدف من الحملة كان «دعم العملية التي ستجلب تغييراً أساسياً وطويل الأمد في الواقع السياسي» و«خلق نظام» في لبنان يكون مسؤولاً عن مناطقه الداخلية. ليفني ادّعت أنه كلما اشتدت ضربات الجيش الإسرائيلي لحزب الله أصبح تنفيذ القرار 1559 أسهل على الحكومة اللبنانية والعالم. إعلان بيرتس أن إسرائيل لن تنهي حملتها العسكرية حتى يتغير الواقع في لبنان، عكس النظرة الواسعة للقيادة السياسية الإسرائيلية.

الجيش الإسرائيلي، في الحد الأدنى منذ تولي يعالون لرئاسة هيئة الأركان، قبل بالمنطق ذاته. اللواء غادي آيزنكوت، رئيس شعبة العمليات في هيئة الأركان، واللواء يوسي كوبرفاسر، المدير السابق للأبحاث في قسم الاستخبارات، كلاهما كانا مقتنعين بأن استخدام إسرائيل للقوة يمكن أن يغيّر المعادلة السياسية في لبنان.
منذ اليوم الأول للحرب، دعم حالوتس ضرب البنية التحتية في مناطق أبعد من جنوب لبنان للضغط على الحكومة اللبنانية لمواجهة حزب الله. منطق التحويل عبر القوة كان إشارة عن المحاولات السابقة لتحويل المجمتع اللبناني من خلال القوة. عام 1982، لم يسعَ القادة الإسرائيليون فقط إلى طرد منظمة التحرير الفلسطينية بل أيضاً إلى تطبيع العلاقات مع بيروت وحكومتها الحديثة العهد.
في الشرق الأوسط المعاصر، مع ذلك، نادراً ما تخلق القوة جواً سياسياً جديداً. لسنوات عديدة بعد توقيع اتفاق أوسلو، غضّ الساسة الإسرائيليون الطرف عن أعمال السلطة الفلسطينية بدلاً من الاعتراف بأن إدارة ياسر عرفات لم تف بتعهداتها. في لبنان، تبنى القادة الإسرائيليون أهدافاً أكثر تواضعاً. بدلاً من السعي إلى تغيير واقع لبنان، ربما يكونون سعوا فقط إلى نزع قدرة حزب الله على إيذائهم.
خشية من التصعيد الذي غيّم على حكم أولمرت الاستراتيجي، في اليوم الأول من الحرب، اقترح قائد الموساد اللواء مئير داغان، أن يستهدف سلاح الجو الإسرائيلي مواقع سورية. في المقابل، سعى أولمرت إلى التهدئة. القادة الإسرائيليون قالوا تكراراً إنه ليس لدى إسرائيل نية لتوسيع نشاطاتها العسكرية لاستهداف سوريا. حتى إن بيرتس دعا إلى استئناف مفاوضات السلام مع سوريا. وعندما كان حزب الله يطلق صواريخ سورية على المدن الإسرائيلية، أعلن قادة إسرائيليون أن رد الضربة لسوريا ليس وارداً. في الواقع فإن الضغط على سوريا لتوقف إعادة تزويد حزب الله بالصواريخ جاء بمثابة مباركة لوطنية الحكومة السورية.
بهذا الأسلوب جرى التعاطي كذلك، من قبل، عندما أجبر تهديد التصعيد أعداء إسرائيل على قبول شروطها. الحكومة السورية كانت سريعة التأثر بالضغط بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وبأوامر القيادة السورية على ما تقول الظواهر، ترددت أصوات إدانة لدمشق من واشنطن وباريس والرياض.
القادة الإسرائيليون تمتعوا بتعاطف مماثل بعد بدء حزب الله الحرب في صيف 2006. في اجتماع مجموعة الثماني (الدول الصناعية الكبرى) الذي كان يقام في بطرسبرغ، روسيا، بتاريخ 17 تموز 2006، التقط ميكروفون مفتوح رئيس الولايات المتحدة الأميركية جورج بوش وهو يقول إنهم احتاجوا إلى «أن تطلب سوريا من حزب الله وقف هذا الهراء».
ولكن كبح جماح الهجمة العسكرية الإسرائيلية كلف إسرائيل فرصة إزالة القدرة السورية للصواريخ الطويلة المدى. أخطار التصعيد الإقليمي كانت ضئيلة. إيران كانت في مكان لا يسمح لها بالتدخل مباشرة. طهران، المستعجلة إتمام برنامجها النووي، لم ترد خلق ذريعة لعمل دولي ضدها.
إن أي حملة عسكرية ناجحة ضد سوريا كانت ستضعف حزب الله وربما تقوي أيضاً الحكومة اللبنانية على نحو أكبر مما حققه تدمير البنية التحتية اللبنانية. هجمة إسرائيلية على سوريا ربما كانت ستشير إلى العزم الإسرائيلي على التعامل مع الإرهاب والتهديدات بالوكالة، وتقوّي هيبة الردع الإسرائيلي. ربما كانت أيضاً ستقلّص التأثير الإيراني في المنطقة وقدرة طهران على الهجوم والرد من خلال حزب الله إذا ما هوجمت مفاعلاتها النووية.

تضييع النتائج
كيفية إنهاء إسرائيل للحرب زادت من فشلها. قرار الأمم المتحدة الرقم 1701 سجّل للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل أن القدس التمست قراراً للأمم المتحدة من أجل إنهاء حرب. تجنيد القدس لقرار مجلس الأمن عكس ثقة جديدة في غير مكانها بمجلس الأمن. وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني قالت إن منع نقل السلاح من سوريا إلى حزب الله ونزع أسلحة المجموعات، والفحص الدقيق لقوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان، كانت كلها ضمن المطالب الإسرائيلية من أجل وقف إطلاق النار. وزارة الخارجية الإسرائيلية سعت إلى إبدال قوات اليونيفيل غير الفعالة في لبنان والمنتشرة منذ عام 1978، بقوة دولية أكثر فاعلية، على الأقل في الفترة الانتقالية قبل أن يتمكن الجيش اللبناني من الانتشار جنوباً ويمارس سلطاته على كل المناطق اللبنانية. بحسب ليفني، فإن الحكومة الإسرائيلية توقّعت أن يكون لفرق الأمم المتحدة قدرة عسكرية قوية تمكنها من «السيطرة على المنافذ على الحدود اللبنانية ـــــ السورية، لمساعدة الجيش اللبناني في الانتشار بصورة صحيحة، ومن أجل تنفيذ كامل للقرار 1559، وخاصة في نزع سلاح حزب الله».
سعى أولمرت في الأساس إلى أن ينشر الجيش اللبناني قواته جنوباً. في مقابلة مع الدبلوماسيين الإسرائيليين يوم 18 تموز، قال أولمرت إن فكرة قوات دولية كانت «عنواناً جيداً» ولكن تجربة إسرائيل «تظهر أن ليس هناك شيء خلفها». علاوة على ذلك، بعد المعرفة بضعف الجيش اللبناني، وافق أولمرت على انتشار قوات الأمم المتحدة بدلاً من الجيش اللبناني. الجيش الإسرائيلي وافق على أن قوة دولية في جنوب لبنان وحظر أسلحة يمكن أن يكونا فعّالين.
ولكن أوامر الأمم المتحدة تقضي بأنه في حال مرور عناصر الأمم المتحدة أمام مخازن أسلحة أو أشخاص مسلحين، يجب أن يتصلوا بالجيش اللبناني لتطويق الوضع. قوات اليونيفيل الأوروبية المعززة لا تظهر فقط رغبة قليلة في استخدام القوة لتطبيق القرار 1701، بل أيضاً تمنع المراقبة الإسرائيلية لنقل الأسلحة عبر الحدود اللبنانية ــــ السورية. الحكومة الفرنسية، على سبيل المثال، دانت الطلعات الجوية الإسرائيلية فوق لبنان لتصوير الانتهاكات المستمرة لقرار منع نقل الأسلحة إلى حزب الله. حتى إن قائد القوات الفرنسية العاملة في اليونيفيل هدّد بإطلاق النار على الطائرات الإسرائيلية إذا اقتربت كثيراً من قواته وذلك بتاريخ 19 تشرين الأول 2006. بعد أيام، اشتكت برلين لأن الطائرات الحربية الإسرائيلية صوّبت أسلحتها على واحدة من سفنها.
لسوء الحظ، القوات الدولية تفضّل عدم الفاعلية تجاه الصراع. الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان دعم «المرونة» في انتشار قوات اليونيفيل على طول الحدود اللبنانية ـــــ السورية، كنتيجة لمباركة عدم التطبيق. تابعت دمشق مدّ حزب الله بالأسلحة، الشيء الذي أشار إليه زعماء لبنانيون بارزون والحكومة الأميركية.
بحلول تشرين الثاني من عام 2006، وبحسب مصادر عسكرية إسرائيلية، أعاد حزب الله تعبئة نصف مخازنه بصواريخ قصيرة المدى وأسلحة خفيفة. في كانون الأول 2006، أبلغ رئيس الموساد مئير داغان، لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أن سوريا مستمرة في تسليح حزب الله وتسعى إلى إطاحة حكومة فؤاد السنيورة ذات النزعة الاستقلالية.
في حين أن اليونيفيل يمكن ألا تكون أكثر فاعلية مما كانت عليه قبل أحداث 2006، فإن تأثيرها الضار يصبح أكبر. إنها الآن لا تحدّ فقط من عمل إسرائيلي محتمل ضد حزب الله بل أيضاً تخلق سابقة لنشر قوة دولية في الضفة الغربية و/أو في غزة، وهي حركة سعت لها منظمة التحرير الفلسطينية وعارضتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

الاستنتاجات
عندما اندلعت الحرب في صيف 2006 تمتعت إسرائيل بتفوق عسكري ساحق وظروف سياسية مبشّرة. رغم ذلك، فإن حماقاتها الإستراتيجية وعيوبها العملياتية أظهرت تردداً، وحوّلت الحرب إلى حرب غير حاسمة. كان بإمكان الجيش الإسرائيلي إدارة هجمات جوية عدة ضد حزب الله خلال الأيام الأولى للحرب أو، بصورة متعاقبة، تدمير معظم الوجود العسكري لحزب الله في جنوب لبنان بغزو بري واسع. لسوء الحظ، فإن القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية لم تكن لديها فكرة واضحة عن نوع الانتصار الذي تريد تحقيقه على حزب الله.
لقد أهدرت إسرائيل فرصة إرساء قواعد إقليمية جديدة. تركت مساعي إيران الواضحة وغير المحصورة لتمديد النفوذ الشيعي في لبنان وتركت الاحتمالات الأولية لقيام سوريا بالتسبب للبنان بالأذى. مرونة حزب الله ضد القصف الإسرائيلي شجعته على الصمود في وجه هجمات إسرائيلية مقبلة، وفشل إسرائيل في تحقيق النجاح شجّع المتطرفين في المنطقة.
إسرائيل دولة قوية، ولكن لا يمكنها تحمل فشل مماثل. إنها تعيش وسط جيران خطرين حيث إن قوة جيشها هي الضمان للنجاة. بدأ حالوتس بعملية تحقيق مكثّف ومفصّل وقدّم استقالته. في الماضي، أثبت الجيش الإسرائيلي قدرته على التعلّم من أخطائه وإصلاحها. بعض العيوب يمكن تصحيحها بسهولة. الزيادة في موازنة تستطيع تأمين عوامل تطبيق بعض الدروس التي تم تدريسها، على سبيل المثال، التدريب الأطول لوحدات الاحتياط وحيازة أنظمة أسلحة أكثر تطوراً. أمّا العيوب في التفكير الاستراتيجي فليس من السهل تصحيحها...
على القادة الإسرائيليين أن يدركوا أخطاءهم لاسترجاع الردع الإسرائيلي الإقليمي غير القابل للشك. لقد أثبتت الحرب أن إسرائيل دولة قوية. إنها تملك الروح العالية للقتال. لقد ربح جنودها كل مواجهة مع حزب الله. الصفوف الإسرائيلية الخلفية أظهرت مرونة عالية، والاقتصاد الإسرائيلي مضى في الازدهار. مع إعداد ملائم، يمكن القدس أن تحرز نصراً مبيناً في الجولة الثانية. هذه الجولة التي، في كل الأحوال ولسوء الحظ، تجعلها نتائج حرب صيف عام 2006، حتمية لا مفر منها.

* الكاتب: إفرايم عنبار (بروفسور في الدراسات السياسية في جامعة بار إيلان ومدير مركز بيغن ــ السادات للدراسات الاستراتيجية)

الجزء الأول | الجزء الثاني