في الطريق إلى ما تسميه إسرائيل قواعدَ المقاومة، لا يقدر أحد على ملاحظة شيء. ولا يجب أن يلاحظ أحد شيئاً. ثمة اختبار يومي غير معلن مع المعنيين هناك. نجاحهم يحصل إذا ظلّ الزائر أمام مسلسل مستمر من المفاجآت. لا يهمّ في هذه الحالة أن تكون المناطق مفتوحة للجمهور أم مغلقة. أصلاً، لا تحب المقاومة هذا النوع من التصنيف. إنه الدرس الأول من تجارب الماضي. أما الدرس الآخر فهو أن عليك الأخذ بالاعتبار أن كل من لا تثق به هو بالاحتمال... عدو!

لكن لكل فريق حكمته. وحكمة المقاومة الخاصة قد تبدو غريبة عن مبدأ الصراع: «يجب أن تترك شيئاً للعدو كي يراه. اترك له ما يمكن أن تتركه. لا تدعه يجوع. إنه وحش. لا يمكن إغضابه طوال الوقت. يجب استفزازه لكن كيفما اتفق. والمهم هو أن تحتفظ لنفسك بهامش المناورة الأفضل حتى تقدر على التحكم بوقت المعركة وشكلها ومكانها وآلياتها أيضاً».
تعاملت قيادة المقاومة مع أسلحتها كلها بحذر شديد. يصعب على أحد الادعاء بأنه يعرف شكل العمل التنظيمي في الجسم الجهادي (قطاع المقاومة في حزب الله). ربما يعرف الناس وجوهاً أو أسماء. لكن فكرة أن يعرف من ليس له شأن مهمة هذا وكفاءة ذاك، فهذا يعني تعريض الجسم للهريان. وداخل الجسم نفسه، ثمة دائرة خاصة أخرى، تلك التي تعمل على درّة السلاح في المقاومة: القوة الصاروخيةتعرف إسرائيل ذلك جيداً. يسخر ضباط الاستخبارات هناك من الكلام الغربي على الحزب، ويصيبهم الغثيان وهم يستمعون إلى بعض الخبراء الأميركيين يتحدثون عن «التنظيم الإرهابي». وإسرائيل لا تهمل شيئاً تستطيع الوصول إليه. لا معلومة ولا صورة ولا خبرية ولا أي شيء. تنفق عشرات الملايين من الدولارات بحثاً عن معلومات موثّقة عن حجم هذه القوة وطريقة عملها.
لم يكن الرعب وحده من يتحكّم بمعادلة الصواريخ، بل كان هناك «القبضة الساخنة» وهي السلاح الأمضى بيد المقاومة، الذي يفيد في حالات الحرب في تحقيق توازن جزئي وفعّال مع سلاح الجو في إسرائيل.
تقول إسرائيل إنها تعرف الكثير عن الصواريخ الموجودة لدى حزب الله. وهي تتحدث بوسائل مختلفة بينها ما يرد في مداولات دبلوماسية، عن وجود بضع عشرات من صواريخ يصل مداها إلى ما بعد تل أبيب، ومئات أخرى تصل حتى شمالها، ونحو 13 ألف صاروخ من التي يصل مداها إلى 22 كلم حداً أقصى.

الليلة الحمراء
في الاجتماعات العسكرية والسياسية التي عُقدت على عجل بعد ساعات على عملية «الوعد الصادق»، كان دان حالوتس الآتي من سلاح الجو أمام الاختبار الأول الذي يريد من خلاله إقناع الجميع بأن الطائرات سوف تحسم المعركة سريعاً. وعندما احتجّت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني على حرب غير محددة الوقت قال لها واثقاً: إنها مسألة ساعات فقط.
حصل حالوتس على المصادقة المطلوبة. وحتى يُكشف عن المحاضر السرية في تقرير «فينوغراد»، فإن الأسئلة تظل قائمة عن كيفية اقتناع من بيدهم الأمر بأن عملية جوية من هذا النوع تكفي لحسم المعركة. لم يكن يدرك هؤلاء أن خروج الطائرات في مهمة خاصة من هذا النوع، كان كافياً لكي يفهم حزب الله أن الحرب بدأت.
ليلة الثالث عشر من تموز عام 2006. قادة إسرائيل جميعاً في حالة استعداد بانتظار ورود المعلومات من هيئة الأركان. كان دان حالوتس في غاية السرور، من خندق القيادة التابع لسلاح الجو. بدأ يتلقّى تقارير وصوراً مباشرة من سلاح الجو. المقاتلات الحربية تبلّغ عن «ألفا»، أي إصابات دقيقة بلغة الطيارين. بعد 34 دقيقة انتهى الهجوم، وبدأت تتسرب إلى أذهان القادة حقيقة أن المئات من صواريخ «فجر ـــــ3» و«فجر ـــــ5»، الجزء الأكبر من ترسانة «حزب الله» المتوسطة والبعيدة المدى، وأكثر من أربعين منصة إطلاق دُمّرت فعلياً.
وتبيّن لاحقاً أنه شارك في تنفيذ العملية نحو أربعين طائرة من أنواع مختلفة. أما الأهداف التي دُمّرت، فقال الإسرائيليون إن المعلومات عنها جُمعت بحرص على مدى أعوام، وفي ظروف بالغة التعقيد، بمشاركة منسقة بين «الموساد» و«أمان»، إضافة الى سلاح الجو. تحدثوا عن عمليات التخزين، معتبرين أن منظمة تعمل وفق نظام حرب العصابات لا تضع صواريخها في قواعد عسكرية يمكن تحليل مميزاتها الواضحة من خلال الصور الجوية الآتية من طائرات استطلاع أو من أقمار صناعية، وأنه رُكِنت المنصات أحياناً تحت مواقع بناء، فيما الصواريخ وُضعت في «بيوت الضيافة»، كما ينسب إلى ضابط استخبارات رفيع في جيش العدو، وهو يقصد غرفاً بُنيت خصيصاً لها في بيوت سكنية عادية.
البلاغات المتسارعة الى مكتب رئيس الوزراء ووزير الدفاع كانت تتحدث عن الإنجاز الأكبر. وقادة سلاح الجو اعتبروا أن الأهم قد أُنجز وأن الحرب سوف تنتهي سريعاً. وهكذا ظنّ كثيرون في القيادة السياسية المصغّرة.
عند السادسة والنصف صباحاً جرى تقدير الوضع في هيئة الأركان العامة. ارتفعت رؤوس الحاضرين فجأة عندما باغتهم حالوتس بعبارة تناقضت مع ما كان قاله في المكان نفسه قبل يوم: «سيتطلب الأمر أسابيع... نحن ذاهبون إلى عملية طويلة». فقد كان مصمّماً على مواصلة الحرب. وينقل صحافيون في إسرائيل أن حالوتس توجّه صوب أولمرت وقال بلهجة استنكارية «تريدون منا أن نتوقف الآن... هل نفعل ذلك ونحن ننتصر؟».
لم تكن ساعات الصباح قد اقتربت حتى تقرر إبلاغ الجمهور بالأمر. استُدعي عدد من الصحافيين واتُّصل بآخرين منهم. تحدث العسكريون بزهو عن النتائج. وقالوا إن بحوزة إسرائيل معلومات استخبارية باهظة القيمة، جُمعت قطعة قطعة. وهي سمحت بمهاجمة نحو 40 قاعدة لإطلاق صواريخ بعيدة المدى. وبعد تحليل الصور الجوية لما بعد الهجوم، وتبين أن جزءاً لا يُستهان به من قواعد الإطلاق قد لحق بها ضرر كبير، وقُتل أيضاً في الهجمات ما لا يقل عن 30 عنصراً من حزب الله،
لم يتأخر الإعلام في عكس الصورة، فكتب بن كسبيت في «معاريف»: «لقد نجحت الضربات التي يوجّهها الجيش الإسرائيلي حتى الآن بتطهير نحو 30 في المئة من قدرة العمل التنفيذية لـ«حزب الله» بشكل عام، ونحو 50 في المئة من مخزون الصواريخ ووسائل إطلاق صواريخ فجر بشكل خاص. ولا تزال باقية مئات عديدة من الكاتيوشا وغير قليل من الصواريخ. وسائل الإطلاق نادرة، ولكنها موجودة. ومنظومة القيادة والتحكم انهارت مع كل المباني في مربع الضاحية. والجيش الإسرائيلي ينظف الآن الجنوب ويدمر بعلبك. وهناك حاجة إلى بضعة أيام لإنهاء هذه المهمة».
أما زئيف شيف فكتب في «هآرتس»: «في نهاية الأسبوع تمكّن سلاح الجو من ضرب عدة مخازن تحت الأرض احتوت على فجر ــــ3 وفجر ــــ5. ليس كل ما لدى حزب الله ضُرب. لقد أُخفيت الصواريخ البعيدة المدى في قرى مختلفة. أما أماكن المخازن الموجودة تحت الأرض فقد حددها الجيش الاسرائيلي على مدى زمن طويل بعمل استخباري حريص ومن خلال إجراء مناورات عديدة».

اتصال بالمنار قبل القصف
تأخّرت المقاومة في الردّ على هذا الهجوم. وخلال سنوات طويلة، تعلّم الطرفان قراءة الشفاه. كانت كل حركة من جانب المقاومة تعني لإسرائيل شيئاً قريباً من الحقيقة، وكانت ردود فعل إسرائيل، أو أي خطوة تعني ما تعنيه بالنسبة إلى المقاومة. وعندما جرى التبليغ عن الغارات الليلية أدركت قيادة المقاومة أن إسرائيل دخلت الحرب الشاملة، وأن من يلجأ إلى توجيه ضربة ضد ما تعتبره إسرائيل السلاح الأكثر فتكاً بيد المقاومة، فهذا يعني أنه يريد التورط في حرب واسعة وأنه يسعى إلى تقليص مخاطر ردود الفعل عليه.
ما تعلّمه المقاومون في لبنان من إيران كثير. تقنيات في القتال وتقنيات في التدريب والجمع، وأكثر من ذلك تعلّموا صياغة الموقف على طريقة «حياكة السجّاد». كان على قائد المقاومة أن يختلي بنفسه قليلاً، فأعاد السيد حسن نصر الله تجميع المعطيات من حوله، وتشاور مع القيادة العسكرية حول الخطوة المقبلة. وعندما تقرر الدخول في المواجهة الشاملة، أعطى الإذن الذي تأخّر عشر سنوات على الأقل!
منذ سنوات طويلة والمقاومة تملك ما تملك من قوة صاروخية. لم يكن قرار اللجوء إليها أمراً عادياً. هي ليست سلاحاً عادياً يمكن استخدامه في لحظة انفعال أو في سياق استعراض للقوة. وفي مواجهات عنيفة جرت سابقاً، تعب القادة العسكريون في المقاومة وهم يحاولون إقناع نصر الله بالسماح لهم بإبلاغ العدو رسائل صغيرة بهذا المعنى. لكنه كان يرفض. كان يعرف أن المعركة لا تحتاج إلى سلاح من هذا النوع الآن، وأن الوقت سيأتي حيث يكون لها الأثر الأكبر ميدانياً وسياسياً ونفسياً، وحيث تكون المعركة أشد قساوة.
في تلك «الليلة الحمراء» كانت طائرات العدو تغير في أمكنة مختلفة، وخلال 48 ساعة أُنجزت مئات الغارات التي أصابت معظم ما لديه في «بنك الأهداف». كان القرار توجيه ضربات قاسية ومتلاحقة الى مقار القيادة في كل لبنان. في صور والنبطية والخيام وبنت جبيل والضاحية الجنوبية والبقاع. كان لدى إسرائيل اعتقاد بأن ضربة إضافية سوف تنهي وحدات التحكم والسيطرة في حزب الله. أكثر من 84 هدفاً حدّدها سلاح الجو بينها المربع الأمني في الضاحية الجنوبية، الى جانب المقار الإعلامية.
في مكان ما في تل أبيب، كان هناك من يخشى ردة فعل قاسية من جانب حزب الله. لم يأخذ هؤلاء برواية حالوتس، ورفضوا التعامل مع المواجهة على أساس أن حزب الله بات بلا يده الطويلة. لذلك لجأ العدو الى خطوة غير مفهومة الآن: ديب حوراني، مراسل قناة المنار في الضفة الغربية. سبق أن اعتقله العدو بتهمة التعاون مع حزب الله إضافةً إلى كونه مراسلاً إعلامياً. تلقّى فجأة اتصالاً من ضابط إسرائيلي يعرفه. قال له: اسمع، اتصل الآن بجماعتك في بيروت، قل لهم أن يخلوا الآن مبنى التلفزيون في حارة حريك فوراً، إن الطائرات في طريقها إلى هناك لتدميره.
سارع ديب إلى الاتصال ببيروت. كانت الإجراءات من جانب المقاومة قد فرضت عملية إخلاء شاملة لكل العاملين في المقار الحزبية وللمدنيين أيضاً في كل المربع الأمني ومحيطه. لم يكن في «المنار» سوى بضعة عاملين وموظفين في مديرية الأخبار. الضربة السابقة التي أصابت الصحون اللاقطة فوق المبنى لم تحسم قرار الإخلاء التام. لكن المجموعة التي كانت تعمل في استديوهات تحت الأرض، نجت بأعجوبة في تلك الليلة. سقطت صواريخ بحجم كبير، وانهار المبنى والمباني التي كانت الى جانبه.
كان هناك رجل آخر غير ديب حوراني تلقّى اتصالاً مماثلاً أُبلغ خلاله بأن المربع الأمني سوف يُضرب. كان في هيئة أركان جيش الاحتلال من يعتقد بأن ضربة مباغتة قد لا تفيد في إصابة قيادة الحزب التي غادرت منذ ما بعد عملية «الوعد الصادق». كان هناك خشية من سقوط نحو ألف من المدنيين بين قتيل وجريح.
كان قادة العدو في حالة ترقّب. ليس في سلاح الاستخبارات ولا في سلاح الجو من هو مطمئن إلى نهاية الأمر. كان هناك انتظار لردة فعل حزب الله. التعليمات التي أُعطيت لسلاح الجو بتعقّب منصات إطلاق الكاتيوشا، لم تنفع كثيراً. قرار الرد التدريجي اتُّخذ، ووُضع برنامج شيفرة خاصة تلقاها المقاومون على دفعات. كان كل شيء جاهزاً. المنصات معبّأة والأهداف محددة مسبقاً. ولم يكن الأمر يحتاج إلى أكثر من «كبسة الزر»، كما يروي المقاومون. كانت إسرائيل تعوّل على أن تحدد سريعاً مصدر إطلاق الصواريخ، وأن تحاول احتواء الموقف من خلال ضرب المكان بقوة. كانت تعتقد أن ذلك يوفّر عنصرين في آن: قتل من كان هناك من المقاومين وتدمير المنصات، ما يمنع إعادة استخدامها. ولأيام طويلة، كان العدو يتحدث عن عدد القتلى في صفوف المقاومة ربطاً بآلية تفكير تقليدية: كل منصة تحتاج إلى ثلاثة عناصر لإعدادها وتوجيهها وضربها.
لكن ما حصل كان خلاف ذلك. لم يكن هناك حاجة إلى أكثر من رجل واحد لإطلاق عشرات الصليات من دون أن يُصاب. كان على طائرات العدو أن تكون «صيادةً للفراشات» حتى يكون بمقدورها إصابة هذا المقاوم الذي يخرج من تحت الأرض في دقيقة، فيركض لأكثر من دقيقتين، وينفذ المهمة، ثم تبتلعه الأرض من جديد. وحتى اللحظة ثمة سرّ لا يعرفه أحد!

.. وسلام على حيفا
لم تمرّ ساعات كثيرة على احتفال دان حالوتس بنصره الجوي، حتى جاءته المصيبة. وحدات الإنذار المبكر في المنطقة الشمالية تتحدث عن أجسام كبيرة تمر فوق الشمال من دون أن تسقط هناك. وفجأة أُعلن عن سقوط صلية من 40 صاروخاً من نوع جديد على حيفا وجوارها. لم تُصِب الصواريخ أهدافاً محددةً بدقة. لم يكن بوارد المقاومة تدمير المنشآت الكيميائية القريبة من المدينة الأجمل في شمال فلسطين. كان المطلوب إيصال رسالة عاجلة إلى الجنرالات في القطاعات العسكرية والأمنية كافة. وعندما تلقّى المعنيون في إسرائيل الأخبار عن القصف، أدركوا أن الحرب انتهت، وأن لعبة الموت المتدحرجة بدأت.

حدث في 16 تموز
إلى المجازر المتنقلة في عيترون وصور وجبشيت والبازورية، تميّز السادس عشر من تموز بأمرين أساسيين: التدمير المنهجي للمربع الأمني في الضاحية الجنوبية، تسوية قناة المنار التلفزيونية بالأرض من جهة، واستهداف المقاومة محطة قطارات في حيفا وبلدات تقع جنوبي حيفا بالقرب من العفولة والناصرة، الأمر الذي أدى إلى مقتل ثمانية وجرح العشرات من الإسرائيليين، من جهة ثانية.
كما أطلّ الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله للمرة الثانية عبر كلمة مسجلة بثتها «المنار» قال فيها «إنه لم يكن أمامنا أيّ مجال اليوم سوى أن نفي بوعد قطعناه على أنفسنا وقمنا بقصف مدينة حيفا» وأضاف إن «تحييد المصانع البتروكيميائية والكيميائية في حيفا جاء حرصاً على عدم دفع الأمور إلى المجهول».
أما على صعيد التحركات الدولية، فلم يبدُ أن حركة المفاوضات الجدية بدأت بعد. والموقف الأبرز ذلك اليوم صدر عن قمة مجموعة الثماني التي وضعت شروطاً لوقف العنف في المنطقة تتمثل في الإفراج عن الجنود الأسرى في لبنان وغزة، وقف إطلاق النار على الأراضي الاسرائيلية، انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة في أسرع وقت ممكن، الإفراج عن الوزراء والنواب الفلسطينيين المحتجزين. كما أعلنت تأييدها مناقشة مجلس الأمن لوجود عسكري دولي لضمان الاستقرار ومراقبة الوضع في الشرق الأوسط.
أما واشنطن، فقد أعربت على لسان وزية الخارجية كوندوليزا رايس عن قلقها «بشأن تصاعد عدد القتلى من المدنيين» لكنها رفضت الدعوة إلى هدنة مؤقتة.