هذه المرة، اقتصرت الرواية الإسرائيلية على ترجمة ما ينقل عن المسلحين، وما يرد من ضخ إعلامي عربي لبثّ أخبار وتحليلات غير مسبوقة في مستواها وحجمها وأغلاطها. ليس مسبوقاً أن يكتب، مثلاً، كبير محللي الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، تحليلاً طويلاً مبنيّاً على معطيات المسلحين على التويتر، وأن يركز في مقاربته لمعارك القلمون على أن قتلى حزب الله تجاوزوا 600 قتيل، أو أن تبث القناة العاشرة تقريراً عن تداعيات العدد غير المسبوق للقتلى، وتدعم ذلك بمشاهد من الأرشيف لعشرات الجثامين من إحدى صفقات التبادل مع الجيش الإسرائيلي، على أنها تشييع جماعي في الضاحية الجنوبية لقتلى القلمون!


وفي الإطار نفسه، "زفّت" القناة العاشرة، أيضاً، إلى الإسرائيليين "أخباراً مفرحة" عن وفاة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، جراء أزمة قلبية، مشيرة إلى أن مصادر حزب الله تتكتم على الخبر، ولافتة إلى أن نصر الله لم يطلّ إعلامياً منذ أكثر من ثلاثة أيام! وزيادة في "الأكشن"، أطل أحد مراسلي القناة الثانية، عبر الهاتف، ليتحدث عن تحضيرات تجري سراً لإجراءات الجنازة.
اللافت، في الأسبوع الأخير، أن عمل وسائل الإعلام العبرية بات يقتصر على تعداد "الأعداد غير المسبوقة" لضحايا حزب الله يومياً، التي تتدرج من أربعين إلى ستين، ومنها ما تجاوز المئة.
عاموس هرئيل نفسه، كتب بعد يومين فقط على مقالة الـ 600 قتيل، وبعدما تأكّدت سيطرة حزب الله على مساحات شاسعة في القلمون، أن الحزب لا يقاتل أحداً هناك، وأن المناطق التي سيطر عليها هي مساحات فارغة لا يوجد فيها مقاتلون!
معلق الشؤون العسكرية في القناة العاشرة، ألون بن دافيد، المشهود له بالمهنية، وقع أيضاً في الخطأ، المقصود أو غير المقصود، فنقل عن مصادر في المعارضة السورية تأكيدها أسر عناصر من حزب الله. وبدل الحديث عن انتصار حزب الله في القلمون، ركز على "مشكلة" الحزب داخل لبنان حول صورته مدافعاً عن اللبنانيين.
موقع "روتر" العبري، الرائد في نقل الأخبار والتحليلات عن وسائل الإعلام العبرية وغير العبرية، تجاوز البحث في صحة الأخبار عن مئات القتلى لحزب الله، ليبني على هذا المعطى كمسلمة غير قابلة للنقاش. فعمد إلى ترجمة مقال عن موقع إخباري عربي يتساوق مع التوجيه المعادي لحزب الله، وذي صدقية متدنية، عن قرار إيراني بعزل نصر الله عن الأمانة العامة للحزب بعد الخسائر البشرية الفادحة في القلمون. ودعا الموقع المتصفحين إلى نقاش خاص حول تداعيات إقالة نصر الله، وتأثير ذلك على ميزان القوى في الساحة الشمالية، مع سوريا ولبنان.


مئات القتلى تؤدي إلى قرار إيراني بعزل نصر الله عن الأمانة العامة للحزب!

الكاتب المعروف اريئيل بن سولومون، في صحيفة "جيروزاليم بوست"، لم يرَ من معركة القلمون سوى "ضائقة" حزب الله في عملية التجنيد بعد أن فرغت القرى الجنوبية والبقاعية من المقاتلين، ما اضطره إلى تجنيد أطفال لا تتجاوز أعمارهم ثماني سنوات.
انتصار حزب الله في معركة القلمون، ضد الآلاف من المسلحين، وفي المنطقة الأكثر جردية ووعورة في سوريا ولبنان، لم يحمل أي دلالة في المقاربة العلنية العبرية، سوى أنه تعبير عن مشكلة وضائقة لدى الحزب الذي اختار القلمون كي يقتل فيه المئات من أتباعه، وربما بعد أيام الآلاف، الأمر الذي سيسبب عزل نصر الله عن الأمانة العامة للحزب!
قد تكون المسألة، وهذا هو الأرجح، موجهة. فالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تدرك جيداً ما يحصل في القلمون، وتدرك جيداً دلالات المعارك الدائرة هناك. إلا أن الحديث الإسرائيلي العلني ليس موجهاً إلى اللبنانيين والعرب بطبيعة الحال، بل إلى المستوطنين أنفسهم. فالتكتيكات العسكرية الناجحة لحزب الله في منطقة جغرافية شاسعة وصعبة للغاية، مع أقل قدر ممكن من الخسائر التي لا يريد ولا يقوى البعض على الإقرار بها، هو نجاح لا مكان له في الإعلام العبري، ومن شأنه أن يؤثر سلباً في وعي الإسرائيليين أنفسهم وتوقعاتهم للمواجهة والحرب الموعودة في الجليل.
نجاح خطط حزب الله العسكرية في القلمون، يؤكد من جديد أن مهمة التوغل والسيطرة على مناطق في الجليل هي أكثر سهولة من المقدر، خاصة أن جغرافية الجليل لا تقاس بجغرافية القلمون، وتشكل عاملاً مساعداً في السيطرة عليه وفي نجاح حزب الله في استهدافه، إن قرر ذلك. وهذا ما لا تريد تل أبيب أن تثيره في الوعي الجمعي للإسرائيليين.