نفّذ اللبناني راشد أبو زيد عملية «استشهادية» في الأنبار الجمعة الفائت. ابن بلدة صيدا الملقّب بـ«أبي آدم» كان أحد تلامذة الشيخ أحمد الأسير في مسجد بلال بن رباح في عبرا قبل أن يلتحق بـ«الدولة الإسلامية» في العراق. وقبل أن تنعاه عائلته الصيداوية، نعاه الأسير على حسابه في موقع تويتر مغرّداً: «شاب خلوق تعرّفت عليه في مسجد بلال، لم تهدأ غيرته على الإسلام والمسلمين حتى قضى في الأنبار. تقبلك الله شهيداً يا أبا آدم».

لم يكن الخبر مقتل أبو زيد في حد ذاته. فالشاب ليس الأول ولن يكون الأخير. فضلاً عن أنه ليس «الاستشهادي» الوحيد الذي تخرّج من بين يدي الأسير، إنما نَعيُ إمام مسجد بلال بن رباح والتغريدات التي تلته شكّلت سابقة في شأن كشف الميول الفكرية للأسير وانتقاله من مرحلة إلى أخرى.

وكانت قد أُشيعت سابقاً معلومات غير مؤكدة، بناءً على معطيات أمنية، عن تأمير التنظيم الأكثر تشدداً الأسير على «ولاية لبنان»، لكن ذلك بقي في إطار الفرضيات. غير أن التغريدات الأخيرة أظهرت بنحو جليّ موالاته للتنظيم ضمنياً. وإذ ابتدأ التغريد بالقول: «لستُ أهلاً لأحكم بين المجاهدين في خلافهم»، أضاف: «قولوا في مجاهدي الدولة الإسلامية ما شئتم، فوالله لا تذكّرني دماؤهم الزكية إلا بدماء الصحابة الكرام». وأردفها بعبارة: «ثار مجاهدو الدولة الإسلامية لله ثم نصرة لأهل السنة ومع ذلك نوصيهم بأهل الرمادي والأنبار خيراً». حاول الأسير أن يبدو وحدوياً نوعاً ما عندما وجّه سلاماً إلى «فلوجة الصمود وأنبار الانتصار وإدلب البطولة»، لكنه أظهر ميلاً واضحاً الى «الدولة»، علماً أن هذه التغريدات تأتي عقب التسجيل الأخير الذي ناشد فيه «المسلمين في العراق والشام نصرته ونصرة أهل السنة في لبنان»، موحياً أنه بات قاب قوسين أو أدنى من أن يُقتل أو يُعتقل.
هكذا، من يتتبع «المسار الفكري» لإمام مسجد بلال بن رباح، يكتشف أن الرجل أوغل في التطرف، أكثر فأكثر، منذ تواريه عن الأنظار، ولا سيما بعد اعتزاله الناس. وبعد ما كان يُتداول في الأوساط الإسلامية الضيقة أن الأسير بات مقرباً من «جبهة النصرة »، صار يتكشّف العكس. فقد كانت المعلومات تتحدث عن إجراء الشيخ الفارّ مراجعة تصحيحية لمنهجه الذي كان «يحمل الكثير من الشوائب»، مقارنة بمنهاج «الحركات الجهادية». وكان يعزز هذا التوجه موالاة مناصري الأسير لـ«النصرة»، فرع «القاعدة في بلاد الشام،» وتوجههم للقتال في صفوفه في القلمون. غير أن ذلك لم يستمر طويلاً، فقد دفع انعزال الأسير وتحوّله مطارداً إلى اختياره الخط الأكثر تشدداً. وبحسب المعلومات، فإن «البيئة التي كانت تحتضن الأسير كانت توالي الدولة الإسلامية»، ولعل أبرزهم كان الشيخ الموقوف خالد حُبلص الذي كان مبايعاً لـ«الدولة» ونشط على خط بناء «مشروع جهادي عسكري» في الشمال يستند إلى منطلقات «الدولة» الفكرية .