مضحك ما أفعله هنا. فبعد جولة في طرابلس غداة الانتخابات البلدية التي أدت إلى فوز لائحة الوزير أشرف ريفي، وأثناء مقابلة الناس لتبين أسبابهم في الاختيار، وجدتني أغضب معهم لإخلال المرشحين أو صانعي اللوائح، بالعقد المتعارف عليه في لبنان لجهة دفع رشى انتخابية للفوز بمقعد نيابي أو بلدي. نعم، بكل «وقاحة»، شعرت بالغضب من هذه اللعبة التي حرمت الناس "رزقهم" الموسمي الذي يؤدون فيه ويتقاضون أجر كومبارس، في حين أن دورهم في التمثيلية الانتخابية هو البطولة.

ما الذي حصل لي؟ كيف أحس بالغضب لأنهم لم يحصلوا على الرشوة؟ يعترض أحد الزملاء قائلاً إنه لن يسمي هذا "المعلوم" الموسمي رشوة، بل حصة في نظام مصمم لسلب الناس باسم الديموقراطية. وهو يظن أن هذه الحصة التي يحصل عليها الناس من حقهم، ولذا يحق لهم، ولي بالتالي، أن نغضب لإخلالهم بهذا الاتفاق المفروض عليهم في الأصل!
خطير هذا التفكير؟ صحيح. ولكنه واقعي. لكن هل يجب علينا أن نتقبل واقعاً كهذا؟ بالطبع لا، كما تقول راقية إبراهيم لعبد الوهاب. لكن بما أننا لم نستطع بعد تغييره، ألا يجب أن نتفهم على الأقل خيبة أمل المعدمين وغضبهم، عائدين إلى عائلاتهم بسلال فارغة؟ معدمون يكاد حالهم يصيح "حتى هذه المذلة الانتخابية استكثرتوها علينا؟". بعض الشارع لم يفهم هذا البخل الانتخابي المفاجئ. آخرون لا يأبهون حتى للتحليل. كل همهم أنهم لم يقبضوا، وأن الموسم فات بخسارة.
يقول مراقبون إن لعبة طرابلس كانت ببساطة عدم الدفع لعدم التصويت بكثافة، وبالتالي ربح الانتخابات بأصوات ماكينات الزعماء الانتخابية المدفوعة الأجر.
إلا أن ما حصل، جاء كالصفعة على وجه هؤلاء. فقد فهم البعض أن هناك من يريدهم أن يبقوا في منازلهم، فما كان منهم إلا النزول نكاية والتصويت للمكروه زعامتياً... ريفي.
الذهول كان يعمّ الشارع الطرابلسي غداة الانتخابات، لكنه كان ذهول من "استطاع" أن يفعل شيئاً غير متوقع! شعور يكاد يكون ملموساً بالسرور، سرور من استطاع أن «يسحسح» بلغة الشارع الطرابلسي، لزعماء استعبدوه بشراء ذمته الانتخابية، وظنوا أنّ بإمكانهم أن يستمروا في ظل أي ظروف بالإمساك بزمام السلطات بفضل... أصوات ماكينتهم فقط!
لا يملك ريفي وقائمته التي جمعها على عجل، خطة إنمائية لطرابلس المتعطشة للحد الأدنى من الازدهار الاقتصادي، ومع أن هناك وجوهاً محبوبة شعبياً على لائحته، إلا أنه لا ينتظر من أي لائحة، ولو كانت من أهم الناس، أن تكون فاعلة في هذا النظام المترهل سياسياً وأخلاقياً. أما من يفصل الإنماء عن السياسة، فهو ليس إلا لاعب أكروبات لغوية، أو جاهلاً يردد ببغاوياً ما تقوله ببغاوات أكبر منه. فكل شيء في حياتنا العامة هو سياسة.
حسناً. أما ما بعد الانتقام؟ وما هي نتيجته؟ فلا يهم. «ليه امتى كنا نهتم شو بدو يصير بعد الانتخابات؟» يسألني بائع الجرائد أمام المقهى القديم.
«بدك الصراحة؟ يا ريت بترجع الحرب» يقول بلال، وهو ميكانيكي في كاراج بمنطقة باب الرمل. ولو؟ لقد كان الناس يموتون في الشوارع! أقول له مستهجنة ومستدرجة إياه للكلام فيقول: «ايه واجكان (وإن يكن) العالم كانت عم تموت؟ يعني هلق العالم ما عم تموت؟ ع القليلة كانوا يموتوا ويطلع اسمن بالأخبار... هلق بيروح الواحد متل الفطيسة من الجوع أو من المرض». ثم يضيف: «بعدين ع القليلة كان في فت مصاري أيامها... ايه هني وصلوا ونحنا اسانا (لا زلنا) محلنا! وفهمك كفاية».
يوحي الشاب أنه غير مهتم إن الناس كانت تموت وان «البلد كانت مشلولة» كما قلت له، يجيبني بنباهة: «هلق لما بتكون البلد واقفة وين المشكلة تكون مشلولة؟ يعني ما تآخذيني لما أنا بكون ميت، البلد ما بتوقف وما بيهم حدا. يعني وليه أنا لاهتم؟ كل واحد يفتش ع رزقو»! «يعني البلد من طريق وأنت من طريق؟»، أسأله مبتسمة فيجيب وهو ينحني فوق بطارية سيارة كان يصلحها «وأنتي جبتيها».
ربما كان علينا استطراداً في المفارقات، أن نكون مسرورين، من جهة أخرى، لهذا الدرس الملقى على إخوتنا في المواطنية، لعل وعسى. فعندما يبلغ الجميع نهاية الطريق، أي حين يُحرَمون الضئيل الضئيل الذي كان يمن به عليهم، سوف نحلم بأنهم سينتفضون على مجوّعيهم إذا حُرموه، وعندها لن يقبلوا بأقل من حقوقهم التي أعطاهم إياها القانون.
لكن بانتظار حصول تلك المعجزة التي أؤمن بأنها لا بد آتية، من يجرؤ على لومهم لقبولهم ما يمكن أن يخفف هذا الجوع آنياً؟ من يجد في نفسه القدرة الأخلاقية على دعوتهم لرفض ذلك العرف المهين، ولو كان كسرة خبز، يلقيها زعيم متخم بأموال الفقراء، ويجرؤ أخلاقياً على حرمانهم تلك الكسرة؟ مع العلم أنها غير مجانية، حيث إنها مقابل أصواتهم التي تؤمن له الاستمرار... بسرقتنا جميعاً؟
انتهت الانتخابات البلدية، وربما، بسبب "درس" البلديات، الذي أسفر عن رغبة بالتغيير في كل مناطق لبنان، لن تأتي الانتخابات النيابية.
تعود التلفزيونات إلى العاصمة، يجلس الزعماء في أماكنهم. أما الناس في طرابلس، فسيعودون إلى دوامة البحث عن عمل، أو رزقة مهما كان مصدرها. وإن لم يرزق الله طرابلس اشتباكاً بين المحاور، فلن تعود المدينة المحتضرة للظهور على الشاشات الوطنية، وسيتمكن المعدمون وأولادهم، خزان طرابلس الانتخابي، من الموت ببطء وصمت وفي العتمة، من دون أن يسمع أحد طرقهم لجدار الخزان العالقين فيه، تماماً كأخوتهم الفلسطينيين الذين اختنقوا داخله في شمس الصحراء العربية الخارجة عن أي قانون إلا القانون الذي بات يحكمنا فعلاً، قانون الغاب.