المقابلة التي أجراها الزميل فادي شهوان في برنامج "بيروت اليوم" على قناة "ام تي في"، اول من امس، مع رشا ابو غزالة التي قدمت كمساعدة لرئيس اركان قوات اليونيفيل لوتشيانو غرينشنكو، بدت غريبة عن المقابلات الترويجية التي اعتدناها، والتي ازدهرت بعد تجربة حرب تموز المريرة التي ارست عداء بين اهل الجنوب وبين تلك القوات، التي تسبب بعضها بمقتل العديد من المدنيين عبر رفضها ايوائهم في مراكزها الأممية خلال القصف الاسرائيلي المتوحش العام ٢٠٠٦!

هكذا، أدلت السيدة، بصفتها تلك، بمواقف خطيرة، بدت كرسالة ملتبسة الوجهة، عبر اللعب بالمساحات الرمادية ما بين الرسمي والشخصي وما بين اللبناني والاممي.
ماذا قالت ابو غزالة؟ ببساطة تحدثت عن امنيتها ان تنتشر قوات اليونيفيل على كامل الحدود اللبنانية! اي بتعبير آخر تريد تطبيق القرار ١٧٠١ (الصادر عن مجلس الأمن العام ٢٠٠٦) على كافة الاراضي اللبنانية. اي؟ ان تنتشر تلك القوات على حدودنا مع سوريا شمالا وبقاعا تماما كما هي على حدودنا مع... اسرائيل جنوباً!
هل تفهم السيدة معنى كلامها هذا في السياسة؟ وإن كانت تفهم، هل تعبّر عن موقف اممي؟ ام عن "جو" أممي، طالما انها تتحدث بتلك الثقة والحماسة؟ يسألها شهوان: "هل هو شيء إيجابي ان تكون هناك قوات يونيفيل في كل لبنان؟"، فتجيبه: "عم تسألني لألي؟ آكييييد".
لكن الموضوع لا يتوقف هنا فقط. فالمقابلة التي دامت اكثر من نصف ساعة ضمن برنامج "بيروت اليوم" كانت مذهلة بما عبّرت عنه اجابات السيدة ابو غزالة من كره الذات الجماعية، شرشحة الدولة اللبنانية (وكأنها بحاجة لمن يشرشحها)، تحميل اهل الجنوب او من اطلقت عليهم التسمية الاستعمارية "السكان المحليون" مواقف مشابهة لمواقفها من نوع انهم مرتاحون كثيرا لوجود اليونيفيل!
هكذا لم تعد السيدة ابو غزالة تتحدث فقط عن اليونيفيل، بل تعدت تلك الحدود (غير المرسّمة على ما يبدو في عقلها) لتتحدث باسم اللبنانيين عامة واهل الجنوب خاصة. فضلا عن تماهيها المحزن مع الذات الأممية، تجاهل وقائع الأرض، جهل معلومات بسيطة عن تلك القوات كعدد اللبنانيين العاملين مع تلك القوات (وهم ٧٠٠ للمناسبة) الخ...
وبالتدقيق في اوراق ابو غزالة الرسمية يتبين مشكل آخر يزيد من غموض المقابلة والغرض منها: فقد كان واضحا انها مأذونة للتكلم باسم اليونيفيل، وهو أمر استثنائي ان علمنا انها ليست حتى موظفة دائمة بل متعاقدة مع "قوات حفظ السلام"، وان اي موظف في اليونيفيل لا يستطيع ان يتكلم مع اي وسيلة اعلامية الا بموافقة مسبقة من القيادة. هذه القيادة التي ستتبدل قريبا مع رحيل اللواء لوتشيانو بورتولانو، الذي سيحل محله قائد جديد إيرلندي الجنسية. فهل يكون مضمون مقابلة ابو غزالة نوعا من تصفية حساب ما قبل الرحيل مع لبنان؟ ام زرع الغام تحت اقدام القائد المقبل؟ ام ببساطة شطط من موظفة تريد اثبات ولائها الأممي؟
لا ارجح الشطط بالمضمون بل بالشكل. فقد بدت السيدة انفعالية لدرجة انها وهي على الشاشة وبصفتها تلك، اي مساعدة رئيس اركان اليونيفيل، "نشرت حريم" الدولة اللبنانية التي اعتبرتها والشفافية طريقين متوازيين لا يلتقيان ابدا. وان الدولة (غير موجودة) وحكومتها (غير موجودة) وبرلمانها غير موجود حسب قولها! قد نقبل هذا الكلام من اي مواطن، لكن اللعب بين الصفات والتشقلب بينها لا يمكن ان يمر. فتارة هي مواطنة لبنانية "قدمت شهيدا للجيش"، وتارة هي مساعدة رئيس اركان قوات اليونيفيل. صحيح انها تذكرت (بعد ان ذكرها الزميل فادي شهوان) ان تقول انها تتكلم كمواطنة لبنانية، ولكن هيهات! فهل استضافها التلفزيون بصفتها المواطنية تلك؟ ام بصفتها الأممية؟ من اين تكتسب اهمية ظهورها؟ فالصفة التي ذيلت صورتها معظم المقابلة كانت تقدمها بصفتها مساعدة لرئيس اركان اليونيفيل. فهل يحق لها ان تتحدث عن الدولة المضيفة بهذه الطريقة؟
هذا في الشكل. اما في المضمون؟ فقد بدا واضحا حرصها على ذكر نقاط كانت تقرأها بين الفينة والاخرى عن ورقة امامها، وان حرصت عبر اسلوبها الإنفعالي على الإيحاء بأنها أكثر من ناقلة رسائل، وهذا غريب جدا على موظفة امم متحدة، الا انها تهورت في الكلام لدرجة القول ان الجنوب بعد العام ٢٠٠٦ شهد "درجة من الأمن والاستقرار ما حس فيها لبنان من اربعة عقود" بسبب: اليونيفيل! لا ليس السبب معادلة الردع التي اقامتها المقاومة اللبنانية بعد ٣٣ يوما من الصمود امام آلة حرب تواطأ معها العالم بأسره، وليس بتضحيات أهل الجنوب الذين منعتهم قوات الطوارئ الدولية من اللجوء الى مقراتها ما تسبب بمقتل المئات منهم وخاصة الأطفال والنساء. بل بسبب وحيد هو زيادة امكانيات اليونيفيل. انتظرنا ٢٤ ساعة لنسمع نفيا لما قالته السيدة اعلاه من قيادة اليونيفيل، لكن لم ينبس احد ببنت شفة. ما زاد الامر غموضا.
لذا اتصلنا بالناطق الاعلامي باسم قوات اليونفيل اندريا تيننتي، وسألناه ان كان الموقف الذي آدلت به ابو غزالة هو موقف اليونيفيل، فأرسل ردا يؤكد فيه بلغة الدبلوماسية "ان اليونيفيل تعمل في اطار تفويضها من مجلس الأمن بموجب القرار 1701". واضاف انه "ليس لليونيفيل أي دور على الاطلاق على الحدود اللبنانية ــــ السورية. لليونيفيل دور محدد ومنطقة عمل واضحة في جنوب لبنان. نشر قواتها مرتبط بوقف الأعمال العدائية بين لبنان واسرائيل. في إطار تفويض اليونيفيل، يعدّ الاعتبار الأهم هو استمرار التزام الأطراف بوقف الأعمال العدائية والتعاون مع اليونيفيل" (...) اما "في إطار الوضع الإقليمي، لا يمكن المبالغة بأهمية ذلك. ما زال تركيزنا على الحفاظ على الهدوء السائد على طول الخط الأزرق في منطقة عملياتنا: بين نهر الليطاني والخط الأزرق". نسأله: اذا انت تنفي ان يكون موقف ابو غزالة هو موقف اليونيفيل؟ فيجيب: "بالتأكيد".
حسنا. سنعيد طرح الاسئلة: اذا لم تكن هذه المواقف تعبر عن موقف اليونيفيل الرسمي، فهل تعبر عن جو سائد في القوات الأممية؟ ولم التعبير عن هذا الجو على الشاشات قبيل رحيل القائد الحالي ومجيء القائد الايرلندي؟ هل هي رسالة؟ والى من تتوجه الرسالة؟
لا اجابات لدي. لكن. ان كان هذا هو حال الامم المتحدة وموظفيها؟ يحق لعزيزنا بان كي مون ان يقلق. فعلى الاقل سيكون عندها يفعل شيئا يجيده!