صدر عن السفارة اللبنانيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة، قبل يومين، بيان جاء فيه: «لا يزال لبنان ملتزماً بأميركا آمنة ومستقرة وديموقراطيّة ومزدهرة، وبجيش أميركي يواصل تطوير قدراته القتاليّة، التي مِن شأنها ضمان بقاء الجيش الأميركي كقوّة موحِّدة وطنيّاً، وحصناً منيعاً ضدّ التطرّف والإرهاب، والمدافع الشرعي الوحيد عن أميركا».


كان لافتاً أنّ بيان السفارة اللبنانيّة، في واشنطن، تعرّض لشأن «استراتيجي» (سرّي للغاية) لدى الأميركيين، فكشف، أو بالأحرى فضح، أنّ الجيش الأميركي «عانى نقصاً، لا بدّ مِن سدّه، في الذخيرة التي كان قد استخدمها أخيراً في حربه على داعش». في الواقع، البيان اللبناني المذكور لم يصدر. هو جزء مِن رؤيا حصلت لأحد المواطنين اللبنانيين، مِن الصالحين جدّاً، مِن الذين يدفعون ما عليهم مِن ضرائب. رأى ذلك في ما يرى النائم. قبل نومه، كان قد قرأ بياناً (حقيقيّاً) صدر عن السفارة الأميركيّة في بيروت، يحتفي بالجيش اللبناني، وذلك بمناسبة تسليمه كميّة مِن الأسلحة والذخائر والمعدّات العسكريّة. كبت ذاك الموطن حنقه الوطني، أو نزعته الاستقلاليّة، فتفاعل الأمر عبر آليات عمل وعيه ولاوعيه، قبل أن يتسرّب ذلك على شكل رؤيا. لم يستسغ أن تُبادر أميركا إلى تمنين الجيش اللبناني، جيش بلاده، أو بالأحرى إذلاله، في كلّ مرّة تُسلّمه فيها أسلحة جديدة. كأنّها تشفق على متسوّل. كيف تقبل الدولة اللبنانية أن تتحدث السفارة الأميركيّة عن نقص في مخزون ذخيرة الجيش، بعدما «استخدمها لهزيمة داعش خلال عمليّة الجرود»؟ أليست هذه مسائل سريّة للغاية عند الجيوش؟ معركة بسيطة جعلت جيشاً يفقد مخزونه، ما يعني أنّه أصبح مفلساً عسكريّاً، أو بالحدّ الأدنى ضعيفاً، وبالتالي يُمكن، في لحظة كهذه، لأيّ كان التجرؤ عليه. هذه إهانة، بصرف النظر عن واقعيّتها. هذا فضلاً عن وقاحة السفارة الأميركيّة في تحديد دور الجيش اللبناني، الداخلي، والغمز مِن بنيته ووحدته وتوحيده. كيف اعتاد لبنان، برؤسائه وسلطاته ومسؤوليه، هذا النمط الاستعلائي مِن البيانات الأميركيّة؟ لبنان ليس روسيا، ليس الصين، طبعاً، ولكن أما مِن حدود دنيا مِن الاحترام؟ هل تتحدّث السفارة اللبنانيّة في واشنطن، مثلاً، عن شؤون أميركيّة داخليّة بتلك الطريقة، أو حتّى بأيّ طريقة أخرى؟ هذا خيال. ألا يُمكنُ وزارةَ الخارجيّة في لبنان أن توجّه إلى السفارة الأميركيّة، ولو مِن تحت الطاولة، رسالة تحمل دعوة أنّنا لا نقبل بهذه البيانات؟ يبدو أنه حتى الأحزاب والتيّارات والقوى، بما فيها غير المحبّة للسياسة الأميركيّة، اعتادت هذا النمط مِن الخطاب الأميركي. هكذا، هو الاعتياد. أمَا مِن بيان مضاد يقول للأميركيين، ولو شكليّاً، إنّ عليكم أن تكونوا أكثر لياقة، أو أنّنا سنردّ الإهانة بإهانة، وذلك وفق مبدأ «المعاملة بالمثل»؟ ألا يُمكن مواجهة قلة احترام الأميركي هذه، بأنّنا، طالما أنّكم كذلك، سوف نبحث عن أسواق سلاح أخرى مِن جهات أكثر أدباً مِنكم؟ بلى، هذا ممكن، والأميركي غالباً يفهم هذا المنطق. المسألة، فقط، تحتاج إلى حسّ بالكرامة. هذا ما ينقص هذه البلاد.