استمرار الحرب الصامتة المفتوحة بين حزب الله والعدو، لم يعد ينحصر في تشاور بين دول مركزية، مثل إسرائيل وأميركا وبعض الدول الغربية، بل تدرّج الى تعاون عملي، يشمل دولاً وأجهزة عربية أيضاً. ومع الأسف، فإن بعض اللبنانيين ليسوا بعيدين عن ذلك.

في هذه الحرب، لا يقتصر الامر على جانب واحد، أي على وصف القادة الجهاديين بالارهابيين، بل تجاوزه الى برنامج ضغط موسع، يهدف الى تشويه صورة الاحياء والشهداء منهم، وإخضاع بيئتهم الاجتماعية اللصيقة، او الأوسع قليلاً، للتصرف بطريقة مختلفة إزاء ما يقال وما يبث عنهم، خصوصاً أن هذه الحملة تعكس دور جهات محترفة، تملك إمكانيات ضخمة، لكنها تخفي ما هو أخطر من العداء: الكراهية التي تقود الى العصبية العمياء.

في هذا السياق، جاء خطاب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، أول من أمس، وتوقفه مطولاً أمام ما صدر مؤخراً من قرار أميركي أو لائحة أميركية جديدة تستهدف عدداً من القادة الجهاديين في حزب الله، وصدور عقوبات مالية ومصادرة أموالهم. كذلك العمل، ومنذ سنوات، على بث أكاذيب تتعلق بقيادات وشخصيات ومسؤولين وكوادر في حزب الله، وحيث يبدو أن «من لم تصل إليهم أيديهم بالاغتيال الجسدي يعملون على اغتيالهم معنوياً. وهناك مواقع إلكترونية إسرائيلية ومخابراتية متخصصة، تركز على إخواننا وقياداتنا ومجاهدينا، وتنسب إليهم اتهامات على المستوى الشخصي، وعلى المستوى الأخلاقي، والمالي، والسلوكي. يأتي هذا في سياق الاغتيال المعنوي لقادة لهم تاريخ في العمل الجهادي ولهم تضحيات وإنجازات كبيرة، بعد العجز عن النيل منهم جسدياً».
قد يكون من الجديد الحديث مباشرة عن الموضوع، وعن أحد أبرز المستهدفين في هذه العملية، القائد الجهادي في حزب الله مصطفى بدرالدين، الذي يستمر في دوره الاساسي ضمن المواجهة المفتوحة مع الموساد الاسرائيلي والاستخبارات الاميركية منذ عام 1982. وقد حاول العدو، من دون توقف، الوصول الى «ذو الفقار». بعد خروجه ــ عنوة ــ من سجن الحكومة الكويتية، استأنف نشاطه الجهادي في قيادة أكثر الاجهزة الامنية والعسكرية حساسية في المقاومة، وواصل الاميركيون والاسرائيليون ملاحقته بقصد اغتياله والتخلص منه.
بعد استشهاد الحاج عماد مغنية، خرج العدو بكل فروعه، العبرية والعربية والغربية، ليعلن أنه أمام مشكلة جديدة، وأن هدفه القائم هو من كان طوال الوقت على المهداف. وتجددت، منذ سنوات، الحملة مباشرة على بدر الدين، وهي حملة تعاظمت، بعد اتهامه من قبل العدو بالوقوف خلف أكبر العمليات الامنية التي شنتها المقاومة ضد شبكات التجسس الاسرائيلية والاميركية في لبنان وسوريا وأماكن أخرى، وحيث تم تدمير شبكات بأكملها واعتقال وتوقيف العشرات من العملاء.
ومنذ اندلاع الازمة في سوريا، فتحت صفحة جديدة في المواجهة، انطلاقاً من دور بدر الدرين في قيادة مجموعات المقاومة التي تقاتل الى جانب الجيش السوري في أكثر من منطقة في سوريا، وقيادته عملاً أمنياً وعسكرياً يستهدف ليس فقط إفشال خطط أعداء سوريا والمقاومة التقليديين، بل توجيه ضربات مباشرة الى المجموعات التكفيرية.


حملة تشويه صورة القادة الجهاديين
يتعاون عليها العدو وعرب ولبنانيون



خرجوا عليه بتهمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وانطلقت أكبر ماكينة لتحويله الى إرهابي مطارد بصورة رسمية في كل العالم، وحاولوا النيل منه من خلال شهود زور معروفين، وآخرين تعتقد المحكمة الدولية أنهم سريون، أو يظن الشهود أنفسهم أنهم مجهولو الهوية. قدم هؤلاء إفادات وروايات لا تصبّ فقط في سياق اتهامه بقتل الحريري، بل في وضعه في خانة «الخارج عن القانون» و»الرجل ذي السجل غير الاخلاقي». وفي هذه الفترة، عملت على ذلك الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية، وساعدها، مع الأسف، فريق لبناني، بعض عناصره في مواقع رسمية أو سياسية. اجتهد هؤلاء للوصول اليه، إما لاغتياله شخصياً أو خطفه، وهم في كل مرة يعجزون عن الوصول اليه، يعملون بجدية ومثابرة على كشف آلية عمله ووسائله، ومطاردة الشبكات العاملة تحت قيادته لمواجهة عملاء إسرائيل أو لمواجهة المجموعات التكفيرية، في لبنان وسوريا وأبعد من ذلك أيضاً.
في مكان ما، لا تستهدف هذه الماكينة تشويه صورة الرجل عند الجمهور أو لدى الرأي العام فحسب، بل تهدف أيضاً الى دفعه الى التوتر أو التصرف برد فعل خاطئ، وهو ما لا يجد له مكاناً في عقل القادة الجهاديين في حزب الله، وبدر الدين منهم، والذي ربما يغرق في الضحك من كل هذه المحاولات. وهو عندما يطّلع على ما ينشر، لا يظهر أي ردّ فعل يقيم وزناً لكل ما يستهدفه، ولا يؤثر ذلك في برامج عمله.
صحيح أن الرجل بعيد تماماً عن الاضواء، ولا صلة له بعالم الاعلام، أو التصريحات، لكنّ العاملين معه يرددون ما يقوله: «واجبي العمل على مواجهة كل مشاريع هؤلاء، ولن أغادر عملي في لبنان أو سوريا أو أي ساحة أخرى، إلا شهيداً محمولاً أو حاملاً لراية النصر»!