كلامٌ كثيرٌ قاله رئيس الحكومة سعد الحريري في موسكو في أيلول الماضي عن الرغبة في التعاون التجاري والعسكري بين البلدين، بعد أن رُسمت معالم اتفاقية التعاون العسكري على هامش مشاركة وزير الدفاع اللبناني يعقوب الصّراف، في منتدى الجيش الروسي الذي انعقد في موسكو في آب الماضي. واستكملت جهود الصراف وقيادة الجيش بلقاءات عسكرية في بيروت بين مختصين روس ولبنانيين، للاتفاق على النصوص المشتركة، قبل أن يرسلها الصراف إلى الحكومة لأخذ التفويض بالتوقيع، فيما أنجز الروس نص الاتفاقية والتواقيع اللازمة.


على مدى السنوات الماضية، منع تعاون وزيري الدفاع الياس المرّ وسمير مقبل مع الأميركيين، أي إمكانية لتعاون عسكري روسي ـ لبناني جدّي، في ظلّ سلطة سياسية لا تملك جرأة التعاون مع روسيا وإغضاب الأميركيين، فضلاً عن أن مشروع اتفاقية التعاون العسكري، بقي في أدراج اللجان النيابية سنوات طويلة، قبل أن يقرّه مجلس النواب نهاية العام الماضي.
وما إن نشرت وسائل إعلام روسية مسوّدة اتفاقية التعاون المشترك المرجوّة (رابط الاتفاقية) ، وهي ثَمرة نقاشات عمرها سنوات، حتى تحركت الضغوط الغربية، ولا سيّما الأميركية والبريطانية مع الحكومة اللبنانية. وعلمت «الأخبار» أن السفيرة الأميركية في بيروت إليزابيث ريتشارد والسفير البريطاني هيوغو شورتر، مارسا ضغوطاً على الحريري بهدف عرقلة توقيع الاتفاقية. وبحسب المعلومات، فإن الطرح الأميركي ــ البريطاني، توقّف عند عنوانين: الأول، تأكيد الغربيين أن الجيش اللبناني يحصل على السّلاح مجاناً من الولايات المتحدة وبريطانيا، بينما في حال توقيع اتفاق التعاون، ستمدّ روسيا لبنان بقرض مالي لأجل شراء الأسلحة. والثاني، إعلان الرغبة في الحفاظ على مصدر واحد لتسليح الجيش على شاكلة دول تحالف الأطلسي «الناتو»، وعدم تنويع مصادر الأسلحة ونوعيتها. وربط الديبلوماسيون الغربيون، بين اتفاقية التعاون العسكري اللبنانية ــ الروسية، ومؤتمر روما 2، المخصّص لدعم الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية في العاصمة الإيطالية، الذي لا تزال المعلومات حول موعده متضاربة بسبب عراقيل تتعلّق بالدول المانحة، ولا سيّما العربية منها.


هل يوقّع الصراف مع نظيره الروسي اتفاقية التعاون العسكري في نيسان المقبل؟

هي ليست المرّة الأولى التي يُحرم فيها الجيش اللبناني الحصول على أسلحة روسية، تدعّم ترسانته المتواضعة بأسلحة من خارج التسليح الغربي، الذي يطوّق قدرات الجيش ويحصرها في مهمات «مكافحة الإرهاب» والعمل على بسط الأمن الداخلي، في ظلّ الصراع مع العدوّ الإسرائيلي والتوتّر الحدودي القائم في البرّ والبحر، وخصوصاً أن التعاون العسكري الروسي ــ اللبناني، تضمّن الحديث عن تسليم روسيا لبنان مروحيات قتالية حديثة، وأنظمة تقنية ترفع من مستوى تسليح الجيش.
ومع أن دولاً عربية مثل السعودية وقطر والبحرين والأردن، وبرغم علاقتها الوطيدة مع الغرب، تملك الجرأة لعقد اتفاقيات عسكرية مع روسيا، تغطي حاجتها من أنواع محدّدة من الأسلحة، وعلى الرغم من وجود أكثر من 10 آلاف جندي أميركي على الأرض العراقية، ووجود الأميركيين في أكثر من ثلاث قواعد عسكرية في البلاد، سلّمت روسيا الحكومة العراقية عشر دبابات ت 90 متطوّرة، من أصل صفقة تسليم مئة دبابة من ذات الطراز وُقِّعَت العام الماضي. وهذه الأمثلة وغيرها، تفكّك الذريعة الغربية التي يحاول السفراء ترويجها في بيروت، وترسخ قناعة روسية بأن الحريري وبعض الأطراف اللبنانية، «لا يخضعون فقط للإرادة الأميركية، بل يسيرون مع الإدارة الأميركية في حربها ضدّ روسيا، إن من خلال عرقلة اتفاقيات التعاون العسكري، أو من خلال الممارسات التي يقوم بها مصرف لبنان تجاه الشركات الروسية، وتنفيذ العقوبات التي أصدرها الأميركيون من جانب واحد» على حد تعبير مصادر ديبلوماسية.
وفيما تؤكّد مصادر وزارية بارزة في قوى 8 آذار، أن «الحريري يتهرّب منذ أشهر من اتفاقية التعاون العسكري مع روسيا وكأنها لم تكن»، قالت مصادر وزارية أخرى في فريق تيار المستقبل، إن «التعاون قائم مع الروس والاتفاقيات ستوقّع»، نافيةً وجود أي ضغوط غربية.
حين زار الحريري موسكو في أيلول الماضي، لم يكن خافياً على المؤسسة الرسمية الروسية، حاجة الحريري إلى غطاء دولي، وإلى صفقات تجارية تساعد رئيس الحكومة في استعادة بعضاً من قدراته المالية التي فقدها في السنوات الماضية. وليس خافياً، وجود هواجس في المؤسسات الرسمية الروسية، من استخدام الضغوط الغربية على لبنان، كذريعة للحصول على «سمسرات» من عقود التسليح المتوقّعة، فيما تساور الغربيين الشكوك ذاتها حيال هذه النقطة. فهل يخضع الحريري للضغوط الغربية ويخذل الرئيس بوتين؟ وهل سيعمل حلفاء روسيا في لبنان على منع ذلك؟ أم أن مؤتمر الأمن الدولي السابع في نيسان المقبل سيكون موعداً لتكلّل جهود الصّراف بتوقيع الاتفاقية مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو؟