إذا كانت زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الى الرياض تختلف في الشكل عن الزيارة التي قام بها في تشرين الثاني الماضي وأعلن خلالها استقالته من الحكومة، إلا أن الاطار السياسي بحسب مطّلعين على مواقف السعودية من خلال جولات الوزير السعودي نزار العلولا والوفد المرافق له، لا يزال هو نفسه. والمفارقة أن الدعوة «العاجلة» تمت أيضاً تزامناً مع سلسلة قرارات ملكية بتغييرات أمنية وإدارية، ما يعكس استمرار الخط الذي رسمه ولي العهد محمد بن سلمان لإدارته.


تعنى المملكة حالياً بالشكل الذي تقدم به نفسها مجدداً الى الساحة اللبنانية، وهي حرصت على إظهار نماذج مدروسة في اللقاءات، كما في شكل الوفد الذي عكس تركيبة الديوان الملكي ووزارة الخارجية والاستخبارات، كما رجّح سياسيون التقوا الوفد. لكن بقدر ما كانت اللغة دبلوماسية، بقيت المواقف السعودية تجاه حلفائها وخصومها على حالها. على أي حال، فإن تدرّج هذه المواقف منذ استقالة الحريري حتى اليوم لم يظهر تراجعاً، لا بل عكس إصراراً، من خلال مواقف وزير الخارجية عادل الجبير ومسؤولين سعوديين حول الدور الايراني في لبنان وحزب الله، على تمسك الرياض برؤيتها للوضع اللبناني، وضرورة ما تعتبره إعادة التوازن فيه.
لم يلمس المتحدثون القريبون من السعودية، بخلاف أجواء المقرّبين من الحريري، أي تغيير في هذه السياسة من خلال جولات الموفد السعودي، والكلام الذي يدلون به، بحسبهم، وقائع وليس تمنيات. لا بل إن ما اعتبر نهجاً سعودياً جديداً إنما يكمن في تغيير جوهري في مقاربة الرياض للبنان في حاله الراهنة، التي ترنّحت أكثر بعد استقالة الحريري وعودته عنها ورجوعه الى بيروت، أي إن السعودية حريصة على علاقات جيدة مع لبنان ــ ترفق هذه العبارة بكل الاوصاف الادبية المعتادة ــ لكن هذا الحرص بات مشروطاً بما هو مستجد: لم يعد لبنان حاجة ملحة وأولوية للمملكة إلا بمقدار ما يؤمن مصالحها ومصالح حلفائها فيه. لم يعد لبنان منفعة ربحية من دون فائدة، فلا أموال تصرف على مؤتمرات دولية أمنية أو اقتصادية إلا بمقدار ما يعود ذلك عليها بالفائدة لبنانياً. بهذا المعنى أقفلت المملكة صندوق المال لديها، فلا مكرمات ولا هبات ولا مساعدات مجانية الا في الشكل الذي يسهم لبنانياً في إرساء التوازن، وهي الكلمة التي باتت متقدمة في القاموس السعودي، انطلاقاً من حرص حلفائها في لبنان على استخدام هذا المصطلح.
الاطار السعودي العام لم يخلُ من تفاصيل تتعلق بالمشهد السياسي اليومي، ولا سيما الشق المتعلق بالانتخابات والعلاقة مع الحريري.
مسلمات عدة نتجت من هذه الزيارة، منها العلاقة مع الحريري، وهي التي بدت في الشكل أنها تطبيع أوّليّ مختصر، لكنها حملت رسالة واضحة بأن السعودية تقف مع الحريري بقدر ما يقف معها. هي الرسالة نفسها التي سمعها خلال فترة وجوده في الرياض في تشرين الثاني الماضي، لكنها اختلفت شكلاً. بديبلوماسية فائقة، كان السعوديون واضحون: الانتخابات هدفها تأمين التوازن في لبنان. واذا كانت الانتخابات ستؤكد رجحان كفة الفريق الموالي لإيران، وسيطرة حزب الله وقوى 8 آذار على المجلس النيابي، فهل يمكن للسعودية أن توافق على تحالف الحريري مع هذا الخط؟ الاكيد أن الجواب سلبي مقروناً بترك الحرية للحريري لأن يختار حلفاءه. فإذا قرر التحالف مع غير قوى 14 آذار وحلفاء السعودية، فسيكون وحيداً في مواجهته من دونها. وعلى هذا الاساس تتعلق نتائج زيارة الحريري للرياض، وما يمكن أن يسفر عنها (اضافة الى ترتيب أموره المالية فيها) في شأن التحالفات الانتخابية. فهل يمكن الحريري أن يقنع السعودية بوجهة نظره ان لا تحالف انتخابياً بينه وبين حزب الله، وأن التحالف مع التيار الوطني الحر على «القطعة» لحسابات انتخابية بحتة، وان الحوار مع القوات اللبنانية مفتوح لتحالفات بحسب فوائد الطرفين منها، وان التسوية الرئاسية لا تزال حية لأنها تعطي للبنان الاستقرار، وأن ما بعد الانتخابات هو غير ما قبلها؟

الرسالة الى حلفاء السعودية

إذا كان الموفد السعودي زار رؤساء الحكومات السابقين، ومنهم من لا يتفق مع سياسة الحريري الجديدة، كرسالة «سنيّة»، من دون أن يذهب بعيداً في لقاءات «استفزازية» الطابع، إلا أنه حرص على لقاء مروحة واسعة من الشخصيات، رغم أن البعض اعتبر أن ما حصل في شكل اللقاءات عكس اختلافاً لجهة تعاطيه مع حلفاء السعودية من القوى المسيحية على مستويين: زيارة معراب التي أعطيت أهمية كبرى، كرسالة مزدوجة للحريري ولرئيس الجمهورية معاً، واللقاءات المختصرة مع قيادات مسيحية حزبية وشخصيات سياسية، علماً بأن هذه القيادات تختلف مع جعجع في طريقة مقاربتها للتسوية الرئاسية والاستعداد للانتخابات النيابية. لكن في الحالتين لم توفر السعودية في تعاطيها مع ملف الانتخابات أي جهد للدفع في اتجاه تحالفات بين الحريري وحلفائها. كان واضحاً أن هذا التحالف بالنسبة اليها أساسي، علماً بأن جعجع يصرّ على التحالف الانتخابي مع المستقبل خلافاً لعدد من حلفاء السعودية، وله رؤيته في تحقيق التوازن المنشود وإصراره على الاتفاق السياسي مع الحريري قبل الانتخابي. وهو في هذا الموقع قدم نفسه «رجل السعودية» في لبنان، كما حاولت هي أيضاً تقديمه. لكن العبرة تكمن في ألا تنزلق توقعات حلفاء السعودية الى أكثر من ذلك، لأن التحديات من الآن فصاعداً، في ضوء زيارة الحريري للرياض، ستكون كبيرة، ربطاً بسؤال أساسي: ماذا لو لم تنجح السعودية في استمالة الحريري، هل ستبقى الانتخابات في موعدها؟ وهل يمكن الحريري قبل شهرين من الانتخابات أن ينقلب في صورة جذرية على التسوية؟ إلا إذا كان الهدف السياسي تنفيذ سياسة الحياد الاقليمي فعلياً لا شكلياً، والتموضع في الخلاف الايراني ــ السعودي وراء السعودية. وهذا الامر يتطلب أكثر من انتخابات نيابية.