استأنفت إسرائيل أمس تهديداتها للبنان على لسان كبار مسؤوليها العسكريين، في استعراض قوة واقتدار قتاليين، خُصص للحرب المقبلة في مواجهة حزب الله، مع التشديد على مسمى «الحسم» وسيناريوهات الغزو البري، وكذلك ضرورة اغتيال الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله.

وإذا كان واضحاً أن التهديدات الإسرائيلية هي رسالة ردع موجهة تحديداً إلى حزب الله، إلا أنها موجهة أيضاً إلى كل اللبنانيين، خاصة أنه لا يمكن عزلها عن التطورات الأخيرة بين الجانبين، وما تخللها من تهديدات متبادلة أنذرت بإمكان الانجرار إلى سيناريوهات متطرفة، سواء على خلفية الادعاءات الإسرائيلية بملكية بلوكات غاز لبنانية على الحدود الجنوبية، أو على خلفية ملفات أخرى، قد لا تقلّ أهمية عنها.
وأهمية التهديدات الإسرائيلية ليست في مضمونها. فقد سبق لإسرائيل أن هددت بالاجتياحات البرية، وكذلك باغتيال الأمين العام لحزب الله، فضلاً عن التهديدات المتكررة إلى حد الإفراط بالتدمير الهائل واستهداف المدنيين والبنية التحتية في لبنان، بل سبق للوزراء الإسرائيليين أن تسابقوا في ما بينهم إزاء توصيف الحقبة التي يراد إعادة لبنان إليها بعد استهدافه، ما بين إعادته عشرات أو مئات السنين إلى الوراء، أو إلى العصر الحجري، وكذلك إلى حياة الكهوف.

قد يكون الجديد في التهديدات الإسرائيلية، هو توقيتها وإمكان ربطها زمانياً باستحقاقات مقبلة في الساحة اللبنانية، إن لجهة التنقيب واستخراج الثروة النفطية والغازية اللبنانية كما ورد، وهي بلوكات تريد إسرائيل حصة وازنة منها، أو لجهة تأكيد توثب إسرائيل وجاهزيتها العسكرية، كرسالة ردعية، في مواجهة تطورات مرحلة ما بعد إسقاط مخطط ضرب محور المقاومة عبر البوابة السورية. هذه الملفات وغيرها، تستدعي من إسرائيل رفع الصوت عالياً، وإن بمضمون التهديد المتكرر، علّها تحصل على النتيجة المتوخاة منها، من دون أثمان قد تتلقاها إذا حاولت أن تسلك «السيناريوهات المتطرفة».
لكن ما لفت في التغطية الإعلامية الإسرائيلية، ربطاً بالتصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين العسكريين في تل أبيب، هو التركيز على «قتل نصرالله»، باعتباره رسالة اقتدار في مرحلة ما قبل «حرب الشمال الأولى». ورَفْعُ الإعلام العبري لهذا التهديد، الذي لا يحمل جديداً في قراءة أولية، يستدعي التأمل في أهدافه ومنطلقاته.
مطلب إسرائيل في اغتيال الأمين العام لحزب الله، وكذلك قادة حزب الله، لا يعدّ مطلباً جديداً. فهو سبق حرب عام 2006، وأعقبها، وكان أحد أهم الأهداف التي وُضعت للحرب نفسها. إلا أن العدو فشل في كل المحاولات التي قام بها، رغم كل الجهود المبذولة استخبارياً وعسكرياً. بعد عام 2006، توصلت إسرائيل ولجان تحقيقاتها المختلفة في الفشل الاستخباري والعسكري، إلى نتيجة مفادها أن قتل السيد نصرالله هو هدف مطلوب في كل مرحلة، وخاصة مع الإدراك أنه يشكل أحد أهم عناصر القوة لدى حزب الله، وبالتالي مطلوب شطبه وإزاحته من الساحة.


جيش العدو: حزب الله ينجح في سحق تفوق إسرائيل في القتال الليلي




أصبح هذا المطلب أكثر إلحاحاً من منظور إسرائيلي وأميركي والأنظمة العربية المتحالفة معهما، إذ يأتي بعد فشل كل الرهانات، تحديداً الرهان على الجماعات الإرهابية التكفيرية، التي جرى التعويل عليها لتحقيق ضرب حزب الله، وكل جسم المقاومة ومحورها في المنطقة. فشَل هذا الرهان أعاد إسرائيل إلى خياراتها البديلة في كل الساحات، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية، حيث لديها عدة أولويات، وعلى رأسها اغتيال السيد نصرالله.
مع ذلك، فإن كلام المسؤولين الإسرائيليين وربطهم قتل نصرالله بهزيمة حزب الله، يحمل أكثر من دلالة. فإذا كان اغتياله خلال الحرب خسارة، لا يمكن المجادلة حولها، وهي خسارة قد لا تعوض نظراً لدوره وموقعه وتأثيره في مسيرة المقاومة وتناميها دورها وفاعليتها، إلا أن تشديد إسرائيل على أن قتله هو السبيل في هزيمة حزب الله، هو إقرار منها بتعذر الهزيمة العسكرية. وهذا تحديداً، ما دفع الإعلام العبري إلى التساؤل في معرض تعليقه على تصريحات وتهديدات الأمس، عن معنى ومصير مصطلح الحسم في مواجهة حزب الله، وعن إمكانات تحقيقه الفعلية، وعن قدرة الجيش الإسرايلي على التوصل إليه، وكل ذلك مع توجه واضح جداً من قبل المعلقين على التشكيك في حد أدنى، إن لم يكن النفي.
وكانت وسائل الإعلام العبرية قد هبّت أمس، دفعة واحدة، للتركيز على حديث مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى عن «اغتيال نصرالله»، وتشديدها على أن اغتياله هدف يحقق انتصار إسرائيل في الحرب المقبلة، ويلحق الهزيمة بحزب الله. وقال ضابط رفيع في سلاح البر الإسرائيلي، الذي وصفه الإعلام العبري بالمسؤول عن إعداد الجيش للمناورة والاجتياح البري للبنان، إن أحداً لا يملك إجابة واضحة حول مصطلح الحسم في الحرب المقبلة، لكن «يمكن الإشارة إلى أن قتل نصرالله في الحرب، يعني هزيمة حزب الله. وإذا تحققت لنا هذه النتيجة، فسنكون منتصرين في حرب الشمال الأولى» (الحرب المقبلة التي يقول العدو إنها لن تكون في مواجهة لبنان وحسب، بل ستشمل سوريا معه).
رسائل التهديد عبر التهويل بالحرب والتلويح بارتفاع احتمالاتها، وردت أيضاً على لسان الضابط الإسرائيلي الرفيع، الذي ذكرت الإذاعة العبرية أنه اللواء كوبي باراك، قائد الذراع البرية في الجيش الإسرائيلي. بحسب باراك، فإن تقديرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترى ارتفاعاً في احتمال نشوب الحرب عام 2018، أمام عدو (حزب الله) متخندق ومسلح جيداً مع طائرات مسيرة انتحارية وصواريخ يحمل كل منها رأساً حربياً يصل إلى نصف طن.
ولفت الضابط الإسرائيلي إلى أنه لن يكون هناك خيار أمام إسرائيل بعد أن يطلق العدو آلاف الصواريخ في اليوم على أراضيها، سوى تجنيد كل الجيش البري والمبادرة إلى المناورة البرية والدخول البري السريع إلى لبنان. وأضاف أن الحرب قد تستمر أياماً طويلة، وربما أسابيع كي نتمكن من تحقيق الإنجاز، لكنها لن تستمر أشهراً، لافتاً إلى أنها «حرب ستخاض ضد عدو بات صاحب تجربة وخبرة قتالية واسعة، مع نجاحه في سحق تفوق إسرائيل في القتال الليلي، بعد أن تزود (حزب الله) بمنظومات رؤية ليلية».