هل بدأ تنظيم القاعدة، أو بعبارة أدق، بعض المجموعات المنتسبة إلى هذه الحالة الأيديولوجية والسياسية بمراجعة الخيارات والأولويات التي اعتمدت بنحو حاسم منذ بداية الحرب السورية؟ موقف أسامة الشهابي، وهو من الرموز الشرعية والفكرية البارزة في الحالة، بدءاً بحديثه عن «العودة إلى القدس»، وانتهاءً بتأكيده «ولأن نبدأ متأخرين خير لنا من أن لا نبدأ»، يوحي بذلك.


وقد تكون الحروب المدمرة التي انخرط فيها التنظيم في سوريا والعراق ونتائجها الكارثية عليه إحدى أهم دوافع هذه المراجعة، بالإضافة إلى الإدراك المتأخر للمخاطر الكبرى المحدقة بالقدس وبقضية فلسطين. البعض سيعتبر أن هذا الموقف هو مجرد تكتيك سياسي آني مرتبط بانقلاب موازين القوى لغير مصلحته وبأن أي اهتزاز لهذه الموازين سيدفع التنظيم إلى الارتداد عن مراجعاته. الأمر المؤكد على كل حال هو أن التمعن في مسيرته منذ تأسيسه في أواخر تسعينيات القرن الماضي يظهر أنه لم يتردد في تغيير أولوياته لأكثر من مرة بتأثير من التطورات السياسية العامة وانعكاسها خلافات في صفوفه القيادية تفضي لرجحان رأي على آخر. ومن المحتمل أن نكون اليوم أمام أوضاع مشابهة.
تَشكّل تنظيم القاعدة من عناصر ذوي خلفية سلفية جهادية، وهو تيار كان يرى في معظمه بأولوية قتال العدو القريب، أي الأنظمة العربية والإسلامية التي «لا تحكم بما أنزل الله»، على العدو البعيد أي جميع القوى الكبرى «الغربية والشرقية» التي كان أتباع هذا التيار يساوون بينها، أو حتى الكيان الصهيوني. ويقدم كتاب «الفريضة الغائبة» الصادر عن تنظيم الجهاد المصري نموذجاً عن هذه الرؤية. لكن تغير الأولويات لدى هذا التنظيم نفسه في فترة لاحقة يقدم مثالاً على كيفية تأثير تضافر الظروف الموضوعية في خيارات هذه المجموعات. فالقمع الشرس الذي وقع عليه بعد اغتياله أنور السادات من جهة، والتدخل السوفياتي في أفغانستان من جهة أخرى، دفع العديد من عناصره إلى إعطاء الأولوية لقتال العدو البعيد، أي السوفيات، والهجرة إلى أفغانستان لهذه الغاية، مع تسهيلات كبرى من التحالف الذي ضمّ مصر والسعودية والباكستان بقيادة الولايات المتحدة.
محطة ثانية تظهر الاستعداد ضمن ظروف ضاغطة لتغيير الأولويات، هي عملية تأسيس تنظيم القاعدة نفسه. أسامة بن لادن، القائد المؤسس للتنظيم، كان يدعو منذ انتشار القوات الأميركية في الجزيرة العربية، بذريعة مواجهة دخول العراق إلى الكويت، إلى قتال هذه القوات لإخراجها بالقوة ولاعتبار أميركاً عدواً مركزياً للمسلمين. لكن أغلبية الحركات السلفية الجهادية التي كانت تخوض حرباً مفتوحة مع أنظمتها، كما كان الحال في مصر والجزائر مثلاً، كانت قد عادت إلى قناعتها السابقة بشأن قتال العدو القريب، فلم تستجب لدعواته. لكن هزيمة هذه الحركات، بعد سنوات من الصراع العنيف، دفعت بعض أجنحتها إلى الالتحاق مجدداً ببن لادن في أفغانستان وإعطاء الأولوية لقتال العدو البعيد، وهو هذه المرة الولايات المتحدة. وهي لتبرير تغييرها لأولوياتها اتهمت الولايات المتحدة بأنها حالت دون انتصارها على أنظمتها عبر دعمها هذه الأخيرة. لكن هذا السبب لم يكن الوحيد لإعلانها الحرب على أميركا. فعند تَبَنّي القاعدة عمليات الحادي عشر من أيلول (2001)، ذكّر بن لادن بداية بدور الولايات المتحدة الداعم للكيان الصهيوني، وأكد أنها «لن تنعم بالأمن ما لم نعشه واقعاً في فلسطين». وقد كشف أيمن الظواهري بعد عدة سنوات أن بين الدوافع الأساسية للمشاركين في العمليات، وتحديداً لأحد قادتها محمد عطا المصري الجنسية، الرغبة في معاقبة الولايات المتحدة على دعمها لإسرائيل.
تلا هذه العمليات حرب لا هوادة فيها بين تنظيم القاعدة والولايات المتحدة بدأت في أفغانستان وامتدت إلى العراق بعد الغزو الأميركي لهذا البلد. وكان من أبرز نتائج الحرب الأميركية على أفغانستان تدمير النواة القيادية التنظيمية والسياسية/ الأيديولوجية للقاعدة، أي إن هذه الأخيرة باتت بلا رأس وتحولت إلى شبكة أفقية فيها مجموعة من الأقطاب الشرعيين والسياسيين غير المتوافقين بالضرورة على الخيارات والأولويات. وقد أظهرت الخلافات ــ التي خرجت إلى العلن بين أبو مصعب الزرقاوي وقيادتها التاريخية ممثلة ببن لادن والظواهري ومن ثم في وقت لاحق تأسيس داعش والقطيعة مع التنظيم ــ هذه الحقيقة بجلاء. وكان بين أبرز الخلافات مجدداً موضوعة الأولويات إياها، إذ اعتبر الزرقاوي ومن بعده داعش أن قتال المجموعات الشيعية في العراق وإيران لا تقلّ أهمية عن قتال الأميركيين. وأتت الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية، وتحوّل بعضها بفعل التدخل الخارجي المكثف والمباشر كما حصل في ليبيا وسوريا إلى حروب ضارية وواسعة، إلى تغيير التنظيم نفسه لأولوياته والعودة لسياسة الصراع مع الأنظمة ضمن فرضية أن هذه الأخيرة آيلة إلى السقوط وأن التنظيم مؤهل أكثر من غيره لتعبئة الفراغ جزئياً والتموضع في داخل هذه البلدان والإعداد لإقامة الخلافة الإسلامية عندما تسنح الظروف.
من الممكن القول اليوم إن هذه الرهانات فشلت فشلاً ذريعاً، وإن خلافات سياسية وفكرية حقيقية عادت للظهور بين أقطاب الحالة القاعدية حول السياسات الواجب اعتمادها بناءً على الأوضاع المستجدة. المستقبل سيُظهر ما إذا كان كلام أسامة الشهابي يعبّر عن تغيّر فعلي في توجهات جزء من الحالة القاعدية. لكن هذا الأمر، إنْ تأكد، لن يكون مستغرباً في ضوء التجربة التاريخية.