«بروح الجندي، نزلت عند رغبة الشعب وقبلت الترشيح للانتخابات. رأيت في النيابة وسيلة لخدمة صيدا وسبيلاً من سبل الجهاد والنضال التي اعتدت عليها». هكذا قدم نفسه الشهيد معروف سعد في مهرجان انتخابي، عند ترشحه للمرة الثانية، إلى الانتخابات النيابية في عام 1960، بعدما كان قد فاز بلقب نائب للمرة الأولى في عام 1957.


بعد 58 عاماً، يحذو نجله الأمين العام للتنظيم الشعبي الناصري أسامة سعد حذوه. ينزل عند رغبة الشعب والقوى الوطنية وبعض المرجعيات السياسية، بالترشح عن أحد المقعدين السنيين في صيدا. يخوض الانتخابات مجدداً رغم الخسارة التي مُني بها في انتخابات 2009. جسامة الخسارة لم تكن بغياب أحد وجوه الفقراء والمقاومين عن المجلس النيابي، بل باستبداله بوجه الرئيس فؤاد السنيورة أيضاً. حينها، عادت نيابة صيدا إلى ما قبل 1957، عندما كانت محصورة بالبكوات والملاكين وأصحاب الرساميل، قبل أن «يؤمّمها» معروف سعد، «البستانجي» ونصير الصيادين.
في الانتخابات النيابية السابقة، سقطت المبادئ أمام المال الانتخابي والتحريض المذهبي. تُركَ أسامة سعد وحيداً خارج تركيبة مؤتمر الدوحة، غداة أحداث السابع من أيار 2008، «رغم الثمن الذي دفعته بوابة الجنوب دفاعاً عن المقاومة»، كما كان يردّد مناصرو سعد.


لقب سعادة النائب
يعيد الاعتبار ليس لأسامة سعد فحسب بل لوالده وشقيقه أيضاً


لطالما عبّر سعد عن رغبته في ترك السياسة والشأن العام والتفرغ للقراءة والكتابة والزراعة. لكن القرار لا يتعلق بشخصه فقط. الانتماء والانحياز الفطري للفقراء، لا يسمحان له بمغادرة المشهد الصيداوي... يرى المقرّبون منه أن «استعادة لقب السعادة هو ردّ اعتبار أولاً لمعروف سعد الذي سقط برصاص الجيش اللبناني عندما كان يقود تظاهرة تطالب بحقوق الصيادين في ساحة النجمة بصيدا، وثانياً لمصطفى سعد الذي خسر بصره وطفلته بدل حياته في محاولة اغتيال دوره في مقاومة الاجتياح الإسرائيلي لصيدا ومنطقتها وحماية القرى المسيحية في شرق صيدا من التهجير».
وهو ردّ اعتبار صيداوي وجنوبي لأسامة سعد الذي ارتضى أن يبقى على شاكلة الفقراء والمناضلين. ولعل بعضاً من ردّ الاعتبار، ثبات موعد المسيرة السنوية وفاءً لمعروف سعد في ذكرى اغتياله، وهي المسيرة الثالثة والأربعين، التي صادفت قبل أيام قليلة، وكان لافتاً للانتباه أن المشاركة فيها لم تقتصر على الثابتين بوفائهم لآل سعد، بل عاد يمشي فيها من ابتعد عنهم سابقاً ليلتحق بآل الحريري، مشدوداً إلى إغراءات التوظيف والخدمات، وربما شدّ العصب المذهبي.
تبدّلت صيدا كثيراً. في انتخابات 1972، خسر معروف سعد الانتخابات بسبب حوالى 300 ورقة بيضاء، اقترع بها محسوبون على القوى الوطنية بسبب سوء فهم وقع بينه وبينهم. بسبب تلك الأوراق، خسر سعد «سعادة النائب» بعد 16 سنة متواصلة من النيابة، لمصلحة نزيه البزري.
في انتخابات 1992، حاصرت قوى السلطة نجله مصطفى الذي لم يجد سوى حزب الله حليفاً له وفاز. في انتخابات 1996 تكرر المشهد ذاته. أما في انتخابات 2000، فقد نال أكثر من 211 ألف صوت ضمن لائحة التنمية والتحرير برئاسة الرئيس نبيه بري. وعند وفاته بعد عامين، تمت تزكية مقعده لشقيقه أسامة. في انتخابات 2005، وبسبب حساسية الموقف، غداة اغتيال رفيق الحريري، جرى التوافق على ترك مقعدي صيدا موزعين بين أسامة سعد والنائب بهية الحريري. لكن بين التزكيتين، مرّر «الحكيم» هدفاً ضد تيار المستقبل، عندما قاد معركة الانتخابات البلدية في عام 2004 بوجه الرئيس رفيق الحريري واكتسحت اللائحة المدعومة من القوى الوطنية (برئاسة عبد الرحمن البزري) المجلس البلدي. ردّ «المستقبل» الهدف مرتين، نيابياً عندما خسر «خط معروف» (شعار الحملة الانتخابية) عام 2009 وبلدياً في 2010 و2016. يؤكد مناصرو سعد أنه ترك وحيداً عام 2009 كما ترك شقيقه عامي 1992 و1996. ومثلما مدّ بري يده لمصطفى سعد عام 2000، مدّ يده لأسامة أخيراً عندما أعلن دعمه للائحة التي سوف تجمعه بالمرشح عن قضاء جزين إبراهيم عازار.
بعد خسارة 2009 بفارق أكثر من عشرة آلاف صوت عن السنيورة، قال أسامة سعد: «يا أهلنا الشرفاء. نعم لقد هزمنا المال السياسي والتسعير المذهبي والنفوذ السلطوي». احترم الرجل رغبة الناس، سواء من صوّتوا معه أو ضده، وظل يتفقدهم، على خطى والده، في صيدا القديمة والمسبح الشعبي والأسواق والمقاهي. كان أول نائب يجري جراحة في مستشفى حكومي. لم يبدل منزله أو سيارته منذ سنوات. لم يتمكن من تسديد الديون المتراكمة على مدارس معروف سعد ومستوصفات ناتاشا سعد بسبب رمزية البدلات المالية التي تجبى من الطلاب والمرضى. لا يزال يترأس الوقفات الاحتجاجية ضد أزمات المياه والكهرباء والنفايات في المدينة. ولا يزال يربط صيدا بقضايا التحرر العربي والعالمي، إما بمشاركته في مؤتمرات لحركات التحرر في الخارج أو باستضافتها. وفي كل مرة يلقى القبض على خلية إرهابية، يتبيّن أن اسمه ثابت على لائحة اغتيالات الخلايا الإرهابية التكفيرية أو تلك المرتبطة بالموساد. هو الذي سافر خفية عبر زورق صيد من صيدا إلى الإسكندرية لكي لا يمر عبر مرفأ صيدا ويختم جنود الاحتلال الإسرائيلي على جواز سفره في عام 1982.
عائلات وعمال ومثقفون وباعة متجولون وشبان ونساء وأطفال، تحلقوا أول من أمس حول زعيمهم في أول مهرجان انتخابي أقيم في باحة مركز معروف سعد الثقافي في صيدا. قال لهم إننا لا نسعى للفوز في الانتخابات، بل «لتقديم نموذج لقدرة الإرادة الشعبية على إلحاق الهزيمة بشياطين الطائفية والمذهبية».