كان من المفترض أن يبقى النائب جان طالوزيان الفائز بمقعد الأرمن الكاثوليك في دائرة بيروت الأولى، مستقلاً كما قدم نفسه لأهالي الأشرفية طوال أشهر الحملة الانتخابية. ولكنه فاجأ ناخبيه يوم الاثنين الماضي بانضمامه إلى كتلة القوات اللبنانية خلافاً للوعود التي أطلقها أمامهم خلال حملته الانتخابية بأنه «سيواجه كل الأحزاب وسيكون الصوت الصارخ لمصلحة بيروت وأهلها وإنمائها». إذ تبيّن أن طالوزيان، المدعوم من رئيس مجلس إدارة «سوسييتيه جنرال» أنطون صحناوي، كان قد وقع تعهداً قبيل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات، بانضمامه إلى كتلة القوات في حال فوزه، وذلك بالاتفاق مع أنطون صحناوي طبعاً. هكذا، خدعت القوات وصحناوي أهالي الأشرفية عبر تقديم مرشحهما على أنه مستقل وابن المؤسسة العسكرية التي تؤمن بالمواطنة وتبغض الأحزاب، وهو السبب الرئيسي الذي شجع عدداً من الناخبين على منحه صوتهم التفضيلي. الخدعة نفسها مررها صحناوي بسلاسة على مدير مكتبه ميشال جبور: «تعرفت إلى طالوزيان (عميد متقاعد ورئيس جهاز أمن المطار سابقاً) منذ 3 أشهر، حيث طلب مني أن أسوِّقه بين أهالي الأشرفية الذين لم يروه في حياتهم، بعد أن أكدّ لي أن التحالف مع القوات ليس سوى تحالف انتخابي مؤقت. فهو (طالوزيان) مستقل وبزته العسكرية تؤكد الأمر». جرى ذلك عقب طلب جبور من صحناوي تحييده من العمل الانتخابي إذا كان مرشحه سيوالي حزباً معيناً، لا القوات على وجه التحديد. وعندما «قطع لي وعداً ببقائه مستقلاً وبحوزتي تسجيلات عن حديثنا كاملاً، بدأت أنظم له مهرجانات في الأشرفية التي أعرفها منذ 45 عاماً».

ميشال جبور كان عضواً سابقاً في المجلس الكتائبي ورئيس إقليم الأشرفية الكتائبي سابقاً. تولى إدارة مكتب صحناوي الخدماتي منذ 9 سنوات. إشارة هنا إلى أن صحناوي لا يزور لبنان إلا نادراً، خصوصاً بعد افتتاحه مصرفاً في الولايات المتحدة، لكنه يحرص على ترك «بصمته الخاصة» في كل مرة تغطّ فيها طائرته الخاصة في مطار بيروت.

هوايات الرجل الثري
لا طموح سياسياً معلناً لأنطون صحناوي، ولكنه دأب منذ عام 2005 على دعم لائحة 14 آذار في بيروت الأولى، مالياً ولوجستياً، «نكاية بميشال عون»؛ قبل أن يغربل أصدقاءه، فيجلس عن يمين سمير جعجع ويعادي النائب السابق ميشال فرعون، فيجنّد كل قدراته لإسقاط غريمه الكاثوليكي. هو مثل معظم رجال الأعمال الأثرياء الباحثين عن نفوذ سياسي. لديه هوايات متضاربة ما دامت الدولة وإداراتها ومؤسساتها في خدمة «النموذج الاقتصادي». افتتح صحناوي عدة مكاتب خدماتية في الأشرفية بناءً على اقتراح ميشال جبور بهدف تقديم تسهيلات مدرسية وطبية للعائلات، فضلاً عن توفير الأدوية وتوزيع الإعاشات. يقول جبور لـ«الأخبار» إن مكتب صحناوي هو الوحيد الذي كان يبقي أبوابه مفتوحة طوال تسع سنوات متتالية من دون تقصير «ولكن هذا شيء، والقرار السياسي شيء آخر».

عينت ماكينة صحناوي 3700 مندوب، لكنها لم تسدِّد لهم مستحقاتهم حتى الآن


في يوم الجمعة الذي سبق الانتخابات النيابية، أبلغ طالوزيان جبور بحضوره مهرجان تقيمه القوات ويتحدث فيه سمير جعجع في الأشرفية «لزوم صورة اللائحة فقط». لاحقاً، تبين أن طالوزيان كان يستفيد من علاقات جبور بالأهالي، خصوصاً في منطقة كرم الزيتون ليكسب أصواتهم، فيما الأمور مرتبة مع معراب مسبقاً بانضمامه إلى الكتلة القواتية النيابية. فعلياً، نجح طالوزيان بتصدر لائحة القوات ــــ الكتائب ــــ ميشال فرعون وبالحلول بالمرتبة الثانية بين كل مرشحي الدائرة بـ4166 صوتاً. وبحسب جبور، «نال سعادته ما لا يقلّ عن 2700 صوت من كرم الزيتون فقط، والباقي من الأهالي الذين لا يثقون بالأحزاب السياسية، ولم يكونوا لينتخبوه لو تيقنوا أنه حزبي وقواتي، بدليل أن مرشح القوات عماد واكيم حصل على أصوات أقل منه (3936 صوتاً)». فالأشرفية خلافاً لما تروّجه الأحزاب «لا قوات ولا كتائب ولا عونية وقد أثبتت الانتخابات ذلك. وأنا أعتذر عن هذا الخطأ بحق أهلي الذين بنوا ثقتهم بطالوزيان بناءً على ثقتهم بي. والأكيد أن تقديم أوراق اعتماده إلى معراب كان آخر شيء يتوقعونه تماماً مثلي».

مناصرو صحناوي يهددون
وفي التفاصيل، التحق طالوزيان بمعراب «يوم الاثنين الماضي من دون أن يملك الجرأة بإخباري بذلك، عندها، لم يكن أمامي سوى تقديم استقالتي وفك ارتباطي بأنطون صحناوي بكل أسف». فطالوزيان «خان أهالي دائرته ووعوده السابقة لهم، ولم يعد صوتهم الصارخ، ولا قادراً على تطبيق شعار وطن للمواطن بعد أن تبنى شعاراً جديداً أساسه : شو بدو الحزب». لذلك، يطلب جبور من سعادة النائب الانسحاب من الكتلة القواتية حتى يستعيد ثقة بيروت الأولى... «إلا في حال عمل نايب ليقبض تعويضات ويتصدر صالون معراب». هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، يبدو أن طبع صحناوي غلب تطبعه. فما إن أعلن ميشال جبور استقالته حتى «فتحت أبواب جهنم عليّ من قبل أنصار أنطون». بدأ هؤلاء حملة شتائم وتهديد على موقع الفايسبوك «وأنا بصدد تقديم دعوى جزائية ضدهم». ويهمّ جبور الإشارة إلى أن ما كُتب مشابه تماماً لما كان يحصل قبيل كل إشكال. لذلك «أحمّل مسؤولية سلامتي وسلامة عائلتي، ليس فقط لمن يكتبون التهديدات، بل لمن يقف وراءهم. فأنا الذي يعرف جيداً كيف ينفذون عملياتهم. ما يغلطوا معي، أنا مش هيّن، وضهري ماكن». ليس ما سبق الجزء الكامل للقصة. فماكينة صحناوي عمدت إلى تعيين 3700 مندوب، تقاضوا 150$ كدفعة أولى قبيل الانتخابات «فيما يرفض النائب جان طالوزيان تسديد الدفعة الثانية لهم وقيمتها 150$ بحجة أنهم لم يصدقوا معه بدلاً من أن يتحمل مسؤولية المندوبين المسجلين باسمه» يقول جبور. هكذا علت الصرخة في الأشرفية، فعمد طالوزيان «ومن يقف وراءه إلى إبلاغ المندوبين بأنني قبضت مستحقاتهم وهربت إلى البرازيل. أنا هنا وأسعى جاهدا لتأمين أموالهم وأزاول أعمالي كأن شيئاً لم يكن وأعد الأهالي بأن المساعدات ستبقى مؤمنة لهم في مكتبي من جهات مستقلة».