لم تكن خاتمة يوم أمس على القدر ذاته من التفاؤل الذي أشيع في ساعات الليل الأولى، بشأن موافقة الرئيس سعد الحريري على الصيغة الحكومية «8 ـــ 8 ـــ 8» التي تتضمن «وزيراً ملكاً مموّهاً»، والتي طرحتها مبادرة النائب وليد جنبلاط ودعمها الرئيس نبيه برّي وحزب الله. كلّ ما رسا ليلاً عند المعنيين في الكتل السياسية الرئيسية أنّ ثمّة «انفراجاً» حول اتفاق ما على ضرورة تشكيل حكومة جامعة، «لكن الحريري لم يبلغ رئيس الجمهورية أو جنبلاط شيئاً».

ليس من السهل الوصول إلى مخرج للأزمة الحكومية الممتدة منذ 10 أشهر تقريباً. منذ ما بعد تصكليف النائب تمام سلام بتشكيل الحكومة الجديدة، يصرّ فريق 14 آذار، ومن خلفه المملكة السعودية، على رفض تأليف حكومة يشارك فيها حزب الله بحجّة مشاركته في القتال إلى جانب الجيش السوري. ومهما تعدّدت الذرائع حول عدم منح الحزب وحلفائه «الثلث الضامن» في أي تشكيلة حكومية، يبقى السبب الأول هو الأساس، مع إصرار سعودي على بقاء الوضع اللبناني الحكومي متأزماً، بالتزامن مع الوضع الأمني المتفجّر.

ماذا تغيّر؟ لماذا يقبل الحريري والسعودية بما لم يقبلا به منذ أشهر؟ «لا شيء تغيّر على الأرجح»، على ما تقول مصادر نيابية بارزة في قوى 8 آذار، «السعودية تريد توظيف كل ملفات المنطقة في الملف السوري، وتطويق الموقف السوري في جنيف2، إن عُقد». وتضيف المصادر أنها تتخوّف من «أن يتحوّل التريث الذي يبديه سليمان الآن إلى مفاجأة حكومة أمر واقع قبل أيام من جنيف 2».
حافلاً كان أمس، إذ لم تهدأ الاتصالات واللقاءات منذ الصباح، حتى ساعات متأخرة من الليل، بدأت مع زيارة وزير الصحة علي حسن خليل والحاج حسين الخليل، المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، قصر بعبدا، ولقائهما رئيس الجمهورية ميشال سليمان. وفي التفاصيل، أكدت مصادر مطّلعة لـ«الأخبار» أن الخليلين حاولا إقناع سليمان برفض حكومة الأمر الواقع، وأنه أكّد لهما عدم رغبته في ترك الأمور على هذا النحو حتى الانتخابات الرئاسية، وبالتالي لن يسلّم البلد إلى حكومة تصريف الأعمال الحالية. كذلك أكد أنه يدعم جهود جنبلاط لتشكيل حكومة جامعة. ووصفت المصادر المعنية لقاء الخليلين بسليمان بـ«لقاء الأبواب المفتوحة»، إذ «لم نختلف، ولم نتفق، وهناك اتفاق على حوار حول الحكومة السياسية، لكن من دون أي ضمانات». وتشير المصادر إلى أن جنبلاط، وبعدما اطمأن إلى موقف رئيس الجمهورية، بدأ العمل على «محور» سلام والحريري، ومن خلفهما السعودية. وعلمت «الأخبار» أن سلام أبلغ جنبلاط أن لا مانع لديه من تشكيل حكومة جامعة، طالباً منه التواصل مع الحريري والسعودية، فتولّى الاتصال بفريق الحريري وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور. وباكراً، توجّه مدير مكتب الرئيس الحريري نادر الحريري إلى باريس، وعرض عليه الاقتراح الجنبلاطي، قبل أن يعود إلى بيروت للقاء الرئيس فؤاد السنيورة وأبو فاعور، ناقلاً إلى الأخير استفسارات من الحريري حول المقترح، قبل التوصل إلى موقف نهائي.
وعلمت «الأخبار»، أيضاً، أن سلسلة اتصالات تولى جنبلاط جزءاً منها مع الأميركيين، وأن السفير الأميركي في بيروت ديفيد هيل التقى مستشار سليمان الوزير السابق خليل الهراوي في أحد الفنادق، مؤكّداً له «تفهّم أميركا لرفض السعودية دخول حزب الله في أي حكومة، لكن أميركا تخشى من ردّ فعل الحزب وسوريا وإيران على خطوة من هذا النوع. فقد تؤدي ردود الفعل إلى خسارة كاملة للاستقرار، وإلى أكثر من ذلك ربما، إلى سيطرة كاملة لحزب الله والسوريين على لبنان». ونصح هيل الهراوي بضرورة دعم جنبلاط في مسعاه.
وعند ساعات الليل الاولى، أشاع مقربون من سليمان جوّاً مبالغاً في التفاؤل عن أن الحريري وافق على صيغة الـ«8 ــ 8 ــ 8»، فيما نفت مصادر نيابية بارزة في كتلة المستقبل لـ«الأخبار» أن يكون «نادر الحريري قد حمل أي جواب مؤكد من الرئيس الحريري، أو أن يكون الحريري قد اتصل بجنبلاط أو سليمان وأبلغهما أي جواب». وأشارت المصادر إلى أن «الأمر يحتاج إلى أكثر من مبادرة ونقاش سريع، فهناك أسئلة لا يملك أحد الإجابة عنها، وهي الصيغة الحكومية، الوزير الملك، البيان الوزاري والحقائب، وحتى الآن لم يتم التطرق إلى أي منها».
من جهتها، وتعليقاً على ما أشيع عن أجواء إيجابية حول إمكانية تشكيل حكومة جامعة، أشارت مصادر في حزب القوات اللبنانية لـ«الأخبار» إلى أن «التركيبات التي نسمع بها لا تعنينا بشيء، لأن هذه التركيبات الاصطناعية والخزعبلات لا تصنع حكومة، وخصوصاً حكومة سيادية فاعلة ومفيدة للناس، ولا تساهم في بناء وطن».
وفي السياق، برز أمس موقف لافت لرئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد حذّر فيه من تأليف حكومة أمر واقع، معتبراً أنها «حكومة رعاية داعش».

عون: حكومة بلا رصيد خرق للدستور

من جهته، رأى رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون أن تأليف الحكومة «من دون رصيد» خرق للمواد الدستورية الميثاقية، داعياً رئيس الجمهورية إلى «إطلاعنا على من يعرقل تأليفها».
وعلق عون على كلمة سليمان أول من أمس، مشيراً إلى أن ما لفته هو «التساؤل حول غيرة الدول علينا»، وسأل عون: «هل يجوز أن نكون أقل غيرة على بلدنا من تلك الدول؟ (…) من أين تأتي كل مشاكلنا؟ هل هي بسببنا نحن؟ ولم لا يتم تأليف الحكومة؟ ولمَ لا يطلعنا فخامته على من يعرقل تأليف الحكومة؟». وقال: «أنا لم أعرقل تأليف الحكومة، ولا يمكن أن أسمح بتعميم عرقلة التأليف، بحيث يفهم الرأي العام أني شريك في العرقلة، خصوصاً أني شريك أساسي في التأليف، وليس مجرد مشارك هامشي». وتمنى على سليمان أن يجيب عن هذا التساؤل. ورأى أن «الحيادي لا يجرؤ على إعطاء رأيه، فيختبئ في منزله، معتبراً أنه بهذه الطريقة يبعد نفسه عن السياسة، ليحصل في ما بعد على حصة من السلطة». وتابع: «لا يجوز يا فخامة الرئيس أن تعلّم الناس على الكسل الفكري، بل على العكس، يجب أن تعلمهم الانخراط في الأحزاب، لأن الأحزاب هي التي بنت الديموقراطية في العالم».
وسأل عن المعايير التي يعتمدها سليمان والرئيس المكلف لتأليف الحكومة، «وهل بات مسألة ترتبط بمزاجية الجيران أو بمزاجية رئيسي الجمهورية والحكومة؟».
وأكد أن «تأليف حكومة من دون رصيد هو خرق للمواد الدستورية الميثاقية». وذكّر بأنه «في عام 1975، ما جرى لحزب الكتائب من عزل أوصلنا إلى حرب أهلية». وقال: «يبدو أن كل الوسائل المعتمدة بهدف إشعال النار في لبنان تسقط تباعاً، وهناك مناعة ضدها، فلم يبق أمامهم إلا عزل فريق من اللبنانيين للوصول الى تلك الغاية».

جنبلاط: لماذا تحويل طرابلس إلى قندهار

على صعيد آخر، ركّز رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في موقفه الاسبوعي لجريدة «الانباء» الالكترونية الصادرة عن الحزب على الوضع في طرابلس. ورأى انه «لم تعد عبارات التنديد والاستنكار تكفي لتنقذ المدينة مما تمر فيه»، لافتاً إلى ان «إضافة إستنكار جديد لما تعرّضت له مكتبة السائح في طرابلس، رغم أنه ضروري ويعكس إدانتنا الشديدة لاحراقها في عمل بربري وهمجي، إلا أنه ليس السبيل الأمثل لمعالجة القضايا التي تحتاجها المدينة». وسأل: «لماذا تحويل طرابلس إلى طالبانيّة فكريّة أو تصويرها على أنها تماثل قندهار؟».




مئتا عالم عند قباني تأييداً لمواقفه

شهدت دار الفتوى تظاهرة علمائية حاشدة تأييداً لمواقف مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني وتضامناً معه في الحملة التي يشنها بعض السياسيين ضده. فقد استقبل قباني امس وفدا من تجمع العلماء المسلمين في لبنان ضم مئتي عالم من الطائفتين السنية والشيعية. وأشار رئيس الهيئة الادارية في التجمع الشيخ حسان عبد الله بعد اللقاء إلى أن «هذه الدار هي دار جميع المسلمين من دون فرق بين مذاهبهم». واعتبر أن «اي اهانة توجه لهذا المقام هي اهانة لجميع المسلمين في لبنان، بل هي اهانة لجميع اللبنانيين». وأكد ان مواقف قباني «لجهة الحرص على الوحدة الاسلامية والوطنية ودعم المقاومة في مواجهة العدو الصهيوني ورفض استعمال السلاح في الداخل هي مواقف نتبناها».