لعلّ الايجابية الوحيدة في طرح الحكومة الحيادية أن يعلن حزب الله، في صورة واضحة، العودة الى التمسّك باتفاق الطائف وميثاق العيش المشترك والاستناد الى نصّه بالتمسك بحكومة سياسية ورفض الاقصاء والنزعة الالغائية. وهي عبارات سبق ان استخدمها المسيحيون منذ ان أعلنوا تمسّكهم بالاتفاق المذكور. والايجابية الوحيدة قادرة ان تترجم في كل مناسبة ولا تكون انتقائية لدى جميع الافرقاء.


وبهذه الايجابية يمكن ان تلغى كثير من المفاعيل السلبية التي يراد منها في لحظات حرجة ان تزيد من إرباك الحزب في الساحة الداخلية وتوريطه في لعبة محلية، ابتعد عنها قليلاً منذ ان دخل الى سوريا وشكّل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. والسؤال: هل يراد له ان يخوض مواجهة داخلية، تضاف الى التحديات الامنية التي يواجهها بعدما وصلت التفجيرات الى داخل بيته؟
الى هذا السؤال، يضاف سؤال مركزي مقابل، تتداوله اوساط سياسية في قوى 14 آذار، يتعلق بتأليف الحكومة: هل من مصلحة هذه القوى ان تكون اليوم في السلطة او تكون خارجها؟
بين السؤالين مسافة شاسعة. في وقت يحاول حزب الله تدوير الزوايا في قبوله بتسوية 8-8-8، سعيا منه الى تخفيف الاضرار المحلية، في انتظار نضوج التسوية الاقليمية. وفي وقت تدور نقاشات بين شخصيات في قوى 14 آذار حول اهمية وجود هذه القوى في السلطة، في اللحظة التي تدور فيها مفاوضات بين واشنطن وطهران، وموقع السعودية كطرف اساسي في الحركة الدائرة اقليمياً لمواجهة تداعيات هذه المفاوضات على ساحات الاشتباك «السعودي ـــ الايراني» في العراق وسوريا ولبنان، ناهيك عن المفاوضات الدائرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
في السؤال الاول، تتعلق الاجوبة بالتجاذبات الاقليمية، وبالمواعيد المضروبة لـ «جنيف الايراني ــــ الاميركي» ولجنيف السوري، ما يجعل ضروريا في هذه الفترة ان يراكم كل فريق اقليمي اوراقه من اجل مواجهة الفريق الاخر. هكذا يراد ان تستكمل حلقة الاطباق على حزب الله من اكثر من جهة. فهل هناك من يتصور ان تتألف حكومة حيادية في لبنان، في اليوم او اللحظة التي تنطلق فيها اعمال المحكمة الدولية التي تحاكم متهمين من الحزب باغتيال الرئيس رفيق الحريري، مع ما يمكن ان يرتد من ذلك على لبنان وعلى الصراع السياسي الدائر فيه؟
اما محلياً، فيبدو غير مفهوم على الاطلاق التشبث بحكومة حيادية. وهو اذا كان مبرراً لدى القوى التي ترفض المشاركة مع حزب الله، كالقوات اللبنانية، الا انه لا يبدو مبررا لدى رئيس الجمهورية الذي يصر على التقليل من احتمالات الخطر الذي يقبل عليه للبنان، ويصر على تجاوز فكرة الحكومة الجامعة. فيترك البلد في يدي حكومة، لا يرقى وزراؤها المقترحون إلى مستوى الخطر الجدي الآتي على لبنان، بدل ان يدفع القيادات الاساسية من 8 و14 الى تحمل مسؤولياتهم في انقاذ الوضع الحكومي واجراء الانتخابات الرئاسية. في حين ان طرح حكومة «طاولة الحوار» كمعبر اساسي يساهم في وضع الجميع امام تحد حقيقي في مواجهة الاستحقاق مباشرة وليس عبر وسطاء وممثلين في حكومة سياسية بامتياز، لا حكومة تقاسم الحصص والمغانم.
واصرار سليمان على حصة له في الحكومة الحيادية ينافي، في كل المعايير، مبدأ حياد الحكومة المفترض، ويطرح سؤالاً بديهياً عن حق الرئيس التي تنتهي ولايته في غضون اشهر بممثلين له في وقت يُنزع هذا الحق عن القوى الاساسية التي تطالب بحكومة سياسية، محتفظاً لنفسه بموقع سياسي خارج قصر بعبدا.
اما السؤال الثاني فتتعلق الاجابة عنه بالنقاش في بعض الاوساط عن اهمية وجود قوى 14 آذار الى جانب قوى 8 آذار في السلطة للمشاركة في انقاذ البلد، في لحظة مصيرية تتعلق باحتمال وصوله الى الفراغ الرئاسي، اذا كانت هذه القوى تعتبر نفسها «ام الصبي». ويعكس هذا النقاش جدية في رؤية بعض شخصيات قوى 14 آذار لاهمية المشاركة في السلطة، كمبدأ، قبل الدخول في تفاصيل البيان الوزاري والحصص والحقائب.
والمفارقة ان ثمة من ينسب، من داخل قوى 14 آذار، الى الرئيس فؤاد السنيورة، وبخلاف ما يردده البعض، تزكيته لمبدأ المشاركة في حكومة جامعة، على قاعدة ان الوجود في السلطة يمكن ان يكون فاعلا ومفيدا لقوى 14 آذار وللبلد، اكثر من المعارضة من الخارج، لمواكبة الحركة الاقليمية والدولية. ولا سيما ان البلد مقبل على احتمال الفراغ ولا يجوز تركه في يد حكومة حيادية، غير فاعلة سياسياً بالمعنى الحقيقي للكلمة.
ومعلوم ان هذه القوى كانت قد ابدت ميلا سابقا للمشاركة في حكومة 9-9-6، قبل خطاب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. ودار حينها نقاش داخلي حول آفاق المشاركة واهميتها. اليوم تتركز المداولات ليس على تغير المعادلة الى 8-8-8، بل على الظروف الاقليمية التي تواكب هذا التطور بقبول الحزب هذه المعادلة، وعلى اقتراب المهل الدستورية من دون ان يظهر في الافق اي احتمال لاجراء الانتخابات. ما يدفع الى إعادة التفكير في خيار المشاركة، من دون خفض سقف التوقعات بأن حزب الله سيقبل الخروج من سوريا من دون تسوية اقليمية تشمل سوريا ولبنان ودور حزب الله فيهما.
والنقاش الدائر يراعي، في بعض جوانبه، اهمية المشاركة في صيغة متوازنة قادرة معها قوى 14 آذار على التمسك ببعض مفاتيحها بفعل احتساب رئيس الحكومة المكلف تمام سلام من حصتها السياسية. ويراعي أيضاً الحساسيات الموجودة داخل قوى 14 آذار بمكوّناتها، اي المستقبل والقوات اللبنانية والكتائب والامانة العامة والمسيحيين المستقلين. لكلّ من هذه المكونات رؤية خاصة للحكومة، وهناك من يحاول في قيادات تيار المستقبل، وفي مقدمها الرئيس سعد الحريري، مراعاة خصوصية القوات وموقف رئيسها الدكتور سمير جعجع في موقفه من رفض الحكومة السياسية. فلا تتكرر تجربة القانون الارثوذكسي مرة اخرى وما تركته من تأثيرات بقيت تعالج حتى الاسابيع الاخيرة. ولا يبدو حتى ان هناك تقدماً في هذا المجال وسط اصرار القوات على موقفها، ربطاً بالاستحقاقات المقبلة.
لكن هذه المراعاة لم تعطّل الحوار الداخلي لجهة استكشاف امكان المشاركة في حكومة تعطي قوى 14 آذار موقعاً متقدماً في اللعبة الداخلية.
وبحسب اوساط مطلعة، فانه بخلاف ما يتردّد، أعطت الرياض في الاسابيع الاخيرة انطباعاً جدياً بعدم ممانعتها بمشاركة قوى 14 اذار في الحكومة الجديدة. وبحسب من تلقّف الكلام السعودي، فان الاتجاه كان الى قبول المشاركة مع الاخذ في الاعتبار اهمية حصول هذا الفريق على وزارتي الداخلية لتيار المستقبل والخارجية لوزير مسيحي من قوى 14 آذار. إذ تشكّل الخارجية اهمية عربية بعد تجربة الوزير عدنان منصور في المؤتمرات الاقليمية والمآخذ التي سجلتها دول عربية على ادائه. وفي معيار الموافقة على المشاركة في حكومة سياسية، عدم تكرار تجربة منصور وتسليم وزارة الخارجية لوزير محسوب على حزب الله يدافع عن النظام السوري وعن الحزب في المؤتمرات العربية.
اما وزارة الداخلية فمعيارها التمسك بالاشراف على الامن الداخلي وفرع المعلومات تحديدا وابقاء مظلة حماية له، اضافة الى الامساك بالامن العام. وهنا يدخل عنصر جديد الى اللعبة.
من هنا جاء طرح المداورة في الحقائب الوزارية، علما ان المطالبة بالداخلية والخارجية ستطرح اشكالات مع فريق 8 آذار، اذ ان الفريق الشيعي الذي لن يرغب باعطاء الداخلية لتيار المستقبل، غير متحمس لحقيبة المال الفارغة، في حين ان حزب الله يصر على ابقاء حقيبة الاتصالات في يديه، ويتمسك العماد ميشال عون بحقيبة الطاقة.
لكن كل ذلك يبقى في اطار تفصيلي، لان ثمة سقفا اهم يتعلق بالمنحى الذي يمكن ان يؤخذ البلد اليه اذا ما قرر رئيس الجمهورية السير في حكومة حيادية.