لم نرَ يوماً أن المملكة العربية السعودية تمثل اجتهادا إسلاميا، أو وطنيا مقبولا على الصعيد السياسي، بل كانت سياستها دائما مبنية على التنسيق الكامل ـــ إلى حد التبعية ـــ مع الولايات المتحدة الأميركية. ومثّل «اجتهادها» السياسي تكريساً للفصل بين الدين والسياسة، إذ إنها تقدم نفسها دائما كحامية للدين بحسب المذهب الوهابي، وحامية للحرمين، وتُزايد على الجميع بأنها لا تملك دستورا مكتوبا لان دستورها القرآن، وبأن علمها هو الوحيد الذي لا ينكس لأنه علم التوحيد (لا اله إلا الله محمد رسول الله)...


كل هذه المميزات الإسلامية تبقى محصورة في النواحي الاجتماعية العامة، ولم ترقَ يوما إلى الأداء السياسي، الذي هو من اختصاص العائلة الحاكمة، بحيث أن «ولي الأمر» أدرى وأعلم بالمصلحة، وان جمهور الموظفين، بمن فيهم زعماء العشائر والفاعليات الاقتصادية والدينية، بمن فيهم كبار العلماء، يُفترض بهم أن يوافقوا جميعا على أن ولي الأمر أدرى بالمصلحة، وعليهم السمع والطاعة والتنفيذ. وقد تصبح «النصيحة»، مجرد النصيحة، أمرا يستوجب العقوبة الشديدة، كائنا من كان الذي يؤديها. وباستثناء موقف الملك فيصل رحمه الله، الذي كان يكرر انه يريد أن يصلي في القدس، والذي تجرأ فقطع النفط عن أميركا وسائر الغرب في حرب 1973، لم نشعر يوما بأن الموقف السياسي السعودي يعتمد على معايير إسلامية أو وطنية – إسلامية. ومع ذلك كان الطابع العام للسياسة السعودية هو «الواقعية»، بمعنى أن مواقفها تتجنب المغامرة ومواجهة المجتمع الدولي، وتتركز على تأمين الاستقرار والرخاء الاقتصادي وتطوير الاستثمارات المالية... الخ. ولم تأخذ قضية فلسطين أو أي قضية من قضايا الأمة الكبرى حيزا واضحا، ولم تمثل يوما المملكة رافعةً لقضايا الأمة، أو حافزا للتقدم نحو الأهداف الكبرى المرجوة، التي تتمناها وتسعى إليها الشعوب العربية كافة. ومع ذلك ظلت المملكة العربية السعودية باستقرارها، وما توفّره من فرص عمل لمئات الآلاف من العمال والموظفين والمتخصصين العرب، ضمن إطار تحسين الأوضاع الشخصية الذاتية لبعض العائلات والشخصيات. وكان هذا دائما يعوض نسبيا الشعور بالأسف بأن الطاقات الهائلة التي تختزنها المملكة تذهب هدرا وتنفق الثروات في غير مكانها.
لكننا لم نشعر يوماً قبل الآن بأن السياسة السعودية كانت أسوأ من السياسة الأميركية، وبأنها لا تعبأ بالدمار والموت الزؤام الذي تسببه سياستها في سوريا وفي لبنان. لم نكن نظن يوما أن السياسة السعودية الملكية تعطل تأليف الحكومة في لبنان على نحو لم يحصل حتى في أسوأ مراحل «الوصاية السورية»، وخاصة عندما تكون الذريعة واهية جدا: انسحاب حزب الله من سوريا، كأن السعودية تقف على الحياد الايجابي، وتؤدي دور الهلال الأحمر والجمعيات الخيرية في سوريا.
مؤلم جدا هذا الموقف، ويسبب الألم والإرباك، وخاصة عندما يجري تصوير هذا الموقف كأنه حرص على المصلحة اللبنانية، وتنطق به أفواه لطالما تشدقت بالحرية والسيادة والاستقلال، على نحو يثير الاشمئزاز، ويدعو إلى التعجب من هذه القدرة الهائلة على قلب الحقائق وتزوير الوقائع.
يحق للجميع نظريا أن يتحدث عن ضرورة خروج حزب الله من سوريا، لكن آخر من يحق له ذلك هو السعودية، لأنها هي التي تمّول وتخرب وتطيل أمد الحرب وتؤخر الحل السياسي. وأسوأ من الموقف السعودي، موقف أولئك الذين يعدون أنفسهم في لبنان تابعين لسياستها، بحيث وصل بهم الجهل والغباء السياسي إلى حد تغطية الإرهاب بكل ما في الكلمة من معنى، وإعطائه الذريعة الكافية للاستمرار.. بحيث يقولون إن انفجارات الضاحية نتيجة لتدخل حزب الله في سوريا، كأنهم لم يقرأوا ولم يسمعوا ما كتبته المجموعات التي تقول إنها تابعة للقاعدة، التي تحدثت قبل الأزمة السورية عن ضرورة مواجهة حزب الله، أو حزب اللات، كما يقولون والرافضة، باعتبار أنهم يقومون بحماية إسرائيل. إن هدف التكفيريين كان قبل الأزمة السورية موجها إلى حزب الله والبيئة التي تحتضنه، بحجج مذهبية شتى، وسواء علموا أو لم يعلموا، فإنهم ينفّذون الخطة الإسرائيلية الموضوعة منذ زمن، وهي إثارة الفتن المذهبية حول المقاومة، بعدما فشل الجميع في ذلك، هؤلاء يوشك أن ينجحوا... ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نتمنى للعقلاء في المملكة العربية السعودية (وهم كثر) أن يمسكوا بزمام الأمور، وان يشدوا لجام الذين يدعمون التكفيريين، بما يتسبب بالدمار والهلاك والموت الزؤام.
ونتمنى للعقلاء أن يخرجوا من هذا الشعار السخيف: عدم اشتراك حزب الله في الحكومة بسبب اشتراكه في الحرب في سوريا، وإلا فكيف ستتألف الحكومة، وهنالك فريق يردد كالببغاء هذا الشعار السخيف دون الأخذ بالاعتبار المصلحة اللبنانية والمواثيق، مواثيق العيش الواحد وما إلى ذلك من أركان البنيان اللبناني.
الشيخ ماهر حمود
إمام مسجد القدس في صيدا