الإسكندرية، الساعة السابعة من صباح يوم 1 تشرين الأول/ أكتوبر 1985:

رصدت وحدات الرادار المصرية تحليق سرب من الطائرات الحربية مقبلة من إسرائيل ومتجهة نحو هدف ما في غرب البحر الأبيض المتوسط. ولم يكن تحليق الإسرائيليين بعيداً عن مجالهم الجوي هو مصدر الارتياب الوحيد عند المصريين، فقد كانت هناك أيضاً سفينة حربية أميركية تساعد الإسرائيليين في القيام بتشويش أثناء تحليق مقاتلاتهم فوق البحر. ثم بدا كما لو أنّ الطائرات تقترب، شيئاً فشيئاً، من المجال الجوي لمصر. وسريعاً ما أعطيت الأوامر لإحدى طائرات الاستطلاع المصرية لمراقبة هؤلاء «الغرباء»، ولتحذيرهم إن هم حاولوا اختراق الحدود الشمالية للبلاد. على أنّ الطائرات الحربية الإسرائيلية واصلت طريقها غرباً فوق أحد طرق الملاحة الدولية، ثم غابت عن الأنظار تماماً، من دون أن تقترب أكثر من الأجواء المصرية.

روما، الساعة التاسعة من صباح اليوم نفسه:
أُعلِم رئيس الحكومة الإيطالية بينيتو كراكسي بتحركات مشبوهة لـ16 طائرة حربية مجهولة الهوية، تحلق بالقرب من جنوب جزيرة صقلية. لم يكن ذلك الخبر الأول هو ما أزعج المسؤول الإيطالي، بل كان الخبر الثاني، ومفاده أنّ ثلاث طائرات صهريج أميركية من نوع «بوينغ – 707 دى . سي 9»، وصلت، قبل بضعة أيام، إلى أحد المطارات العسكرية في روما للمشاركة في مناورات حلف شمال الأطلسي، وانطلقت من مرابضها، في ذلك الصباح، من دون أن تأخذ إذناً أو تنسّق مع السلطات الإيطالية التي تستضيفها، لإعلامها بوجهتها. وزوّدت طائرات الصهريج الأميركية مقاتلات «أف 16» المجهولة بالوقود، في الجو. ثم عادت إلى القاعدة الإيطالية بهدوء، ومن دون أن يكلف المسؤولون عنها شرح ما قاموا به لشركائهم في «الناتو». راقب الإيطاليون مسار ذلك السرب من الطائرات الحربية، وتأكد لهم أنّ مقصدهم هو تونس.

تونس، العاشرة إلا عشر دقائق:
رنّ جرس الهاتف في قصر قرطاج الرئاسي. كان رئيس الحكومة الإيطالية كراكسي على الخط. أخبر كراكسي الرئيس الحبيب بورقيبة بأنّ طائرات مجهولة الهوية، من المرجح أن تكون إسرائيلية، توشك أن تخترق الآن المجال الجوي التونسي، وأنّ هدفها قد يكون عدوانياً، وعلى المسؤولين التونسيين أن يأخذوا حذرهم. شكر الرئيس التونسي مخاطبه على هذه المعلومات ثم هاتف وزير دفاعه صلاح الدين بالي ليخبره بهذا النبأ الخطير، وليأمره بأن يأخذ كل الاحتياطات لكي يتوقى نتائج هذا الهجوم الأجنبي على البلاد. أعلم الوزير التونسي رئيسه بأن إمكانيات البلاد لصدّ عدوان خارجي ضئيلة، وأنّ معظم طائرات «أف 5» التونسية تم نشرها في قواعد عسكرية قرب الحدود الليبية، تحسّباً لهجوم مفاجئ من القذافي على تونس. في تلك الأثناء، تلقّى مكتب الرئيس التونسي اتصالاً آخر من الوزير الأول محمد مزالي يعلمه فيه بأنّ عدواناً خارجيا يقع الآن على تونس، وأنّ طائرات معادية تقصف ضاحية حمام الشط، حيث تقع مقار منظمة التحرير الفلسطينية في جنوب العاصمة. ضرب بورقيبة كفاً بكف، والتفت إلى معاونه علالة العويتي، وقال: «كنت أعرف أن الفلسطينيين لن يأتيني منهم إلا البلاء!».

بن عروس، العاشرة صباحاً:
كان موكب سيارات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية يشق طريقه من الضواحي الشمالية لمدينة تونس إلى ضواحيها الجنوبية. وعند وصول الموكب إلى مشارف منطقة بن عروس، سُمع دوي الانفجارات الهائلة. توقف الموكب دقائق قليلة ليجري الزعيم الفلسطيني مكالمات من سيارته، حتى يعرف ماذا يجري. اتصل أولاً بمكتبه، وكان الخط مقطوعاً. اتصل بمقر القيادة في حمام الشط، وكان الخط مقطوعاً أيضاً.

من إحياء جمعيات تونسية لذكرى المجزرة قبل عامين

توكّل أبو عمار على الله، وأمر مرافقيه بأن يكملوا طريقهم نحو مقر القيادة، وجهتهم الأصلية. كان من المفترض أن يجتمع القادة وكوادر الثورة الفلسطينية هناك، لينعقد في الساعة العاشرة من صبيحة اليوم الأول من تشرين الأول 1985 مجلس الأمن القومي الأعلى لمنظمة التحرير. وخشي عرفات أن يكون رفاقه، قادة أركان الثورة الفلسطينية الذين توافدوا إلى تونس من الجزائر واليمن والسودان، هم المستهدفين بهذه الانفجارات. وعندما وصل عرفات إلى مقر قيادته، في حمام الشط، وجد كل ما كان يعرفه فيها ركاماً وردماً: منزله، مكتبه، مقر القوة 17 المشرفة على حراسته، مقر الدائرة العسكرية، إدارة أرشيف مقاتلي الثورة الفلسطينية، الإدارة المالية، بيوت موظفي المنظمة... كان المشهد الذي رآه شنيعاً. خراب شامل، كخراب بيروت في آخر أيام الحصار! ولم يشكّ الختيار الفلسطيني لحظة في أنّ الإسرائيليين هم الذين يقفون وراء هذه الجريمة الجديدة.

حمام الشط، العاشرة صباحاً:
تجمّع القادة العسكريون الفلسطينيون في البهو الخارجي لمقرّ القيادة العامة، في حمام الشطّ، قبيل العاشرة صباحاً، منتظرين وصول موكب ياسر عرفات. سرعان ما وردت أنباء تقول إن القائد سيتأخر مجيئه قليلاً، وإن اجتماع مجلس الأمن القومي سيتأجل ساعة أخرى، على الأقل. قرّر بعض القادة العسكريين أن يتفرقوا، ويتجولوا قرب شاطئ البحر في ذلك الصباح الخريفي المشمس. فجأة سمع الجميع صوت الطائرات المغيرة. خبر الفلسطينيون غدر عدوّهم، فتفرقوا سريعاً بعيداً عن الأمكنة التي توقعوا أنها أهداف. بدأ القصف: طائرات تقذف حممها على المباني، وأخرى تواكبها، وتحميها من كل ما قد يعترض سبيلها. ظل الإسرائيليون يدمرون كل شيء لمدة عشر دقائق كاملة. لم يعترضهم أحد سوى شبل مقاتل فلسطيني حمل بندقية نصف آلية، وجعل يرمي بها الطائرات. كان ردّه رمزيّاً، فلم تكن رصاصات البندقية لتصل إلى أي من المعتدين. أكمل الإسرائيليون مجزرتهم، وهمّوا بالانصراف، إلا أن طياراً منهم أبى إلا أن يوجه رشاش طائرته نحو الصبي المقاتل، فأرداه قتيلاً.

بنزرت، العاشرة وعشرون دقيقة:
حاول الضباط التونسيون في قاعدة «سيدي أحمد» الجوية قرب بنزرت، شمالي العاصمة التونسية، أن يتمردوا على أوامر قادتهم، لمّا علموا بالعدوان الإسرائيلي على وطنهم. وقرر البعض منهم أن يطلع بطائرة التدريب التي بحوزته ليعترض مقاتلات العدو، ويستشهد في سبيل تونس. كانت أوامر القيادة العسكرية في القاعدة صريحة وصارمة: «على كل جندي أن يلتزم بالنظام والانضباط، وكل من يعصي الأوامر سيعرّض نفسه إلى المحاكمة العسكرية». حينما علم رئيس الوزراء التونسي محمد مزالي بما أبداه الضباط وضباط الصف في قاعدة «سيدي أحمد»، لم يجد ما يقوله سوى هذه الكلمات: «أغبياء! لو أنهم خرجوا بطائراتهم البدائية لاصطادهم الإسرائيليون مثل العصافير!». وأكمل أستاذ الفلسفة القديم الذي كان يستعد لخلافة بورقيبة، في تلك الأيام، قائلاً: «لا تستطيع تونس أن تسبق إسرائيل، اللهم إلا إذا استطاعت سيارة رينو 4 أن تسبق سيارة فيراري!».

القدس المحتلة، العاشرة والنصف صباحاً:
في مقر وزارة الحرب الإسرائيلية، اجتمع قائد سلاح الجو عاموس لابيدوت بكبار ضباطه ليدرسوا نتائج العملية العسكرية. وكان هناك لفيف من عناصر المخابرات العسكرية «أمان» يتزعمهم ناحوم أدموني، يحتفلون بالأنباء السعيدة الآتية من تونس. لقد تمّ دفن القيادة الفلسطينية برمتها، أثناء اجتماع كامل عناصرها. فتحت زجاجات الشمبانيا احتفالاً بهذه «المجزرة الجميلة». لكن، فجأة، وردت أخبار جديدة من تونس. «ربما لم يكن عرفات موجوداً في الاجتماع». كان عدنان ياسين معاون سفير المنظمة في تونس حكم بلعاوي، هو الذي أرسل لمشغّليه هذا الخبر. «عرفات بات الليلة الماضية في منزل بلعاوي في قمرت، شمالي تونس. ولم يبت في منزله في حمام الشط. وهو توجه إلى هناك في الصباح، ولعله تأخر في الوصول، فلم يطبق عليه الفخ هناك». كانت هذه الأنباء الجديدة مخيّبة لآمال الإسرائيليين. هل نجا عرفات مرة أخرى؟! سريعاً ما جاء الجواب في برقيات وكالات الأنباء العالمية من تونس: «الفلسطينيون يعلنون أن عرفات حي يرزق، لم يمسسه أذى ولا ضرر». أسقط في أيدي الصهاينة!

حمام الشط، الحادية عشرة صباحاً:
وصل موكب محمد مزالي، الوزير الأول في حكومة بورقيبة والمضطلع أيضاً بوزارة الداخلية، إلى حمام الشط. كان يرافقه زين العابدين بن علي الوزير المكلف بالأمن الداخلي في تونس، ووزير الدفاع صلاح الدين بالي، والهادي البكوش مدير الحزب الاشتراكي الدستوري. كان الصحافيون والمصوّرون قد توافدوا إلى المنطقة المنكوبة بالعشرات. وانتهز مزالي فرصة ظهور الكاميرات والميكروفونات بوفرة ليخطب خطبة عصماء عن «النضال والمقاومة والشهادة في سبيل القضية». كان ياسر عرفات أيضاً يقتنص اللحظة. صعد فوق تلال الركام، وأخذ يرفع إصبعيه ملوّحاً بإشارة النصر. ظل يتنقل مع المصورين هنا وهناك، ووراءه أبو جهاد، وأبو إياد، وأبو العباس. ولم ينس عرفات أن يتوعّد إسرائيل بردّه المزلزل على عدوانها الجديد. كانت طائرات «الميغ» الجزائرية التي طلبت الحكومة التونسية استقدامها، لا تزال تحلّق في الجو، في هذا اليوم العصيب. تكفّل الجزائريون بحماية أجواء العاصمة التونسية، خوفاً من قيام الطائرات الإسرائيلية بعملية التفاف جديدة بعد الغارة السابقة. وبدت كلمات «الثأر المزلزل» قوية الوقع في الأسماع حقاً. وكان المسعفون ينتشلون مئات الضحايا من تحت الردم.

مستشفى شارل نيكول، تونس العاصمة، منتصف النهار:
تقاطرت عربات الإسعاف إلى المستشفى التونسي. عشرة شهداء... عشرون... خمسون... الحصيلة الأخيرة: ثمانية وستون شهيداً. خمسون فلسطينياً، وثمانية عشر تونسياً.. كانت هناك جثث نساء من دون أطراف، ورجال بلا قبضات، وأطفال من غير رؤوس، ورضّع سحقوا تحت الركام... كل هذا سوى الجرحى! دمّرت أغلب البيوت المحيطة بمقار القيادة الفلسطينية، وكانت مأهولة بعشرات العائلات. قدّرت الدولة التونسية الخسائر المادية للعدوان الإسرائيلي بحوالى 8.5 ملايين دولار، ولم يكن للخسائر الإنسانية ثمن!
حاول الضباط التونسيون في قاعدة «سيدي أحمد» أن يتمردوا على أوامر قادتهم


واشنطن، الثالثة عصراً:
أعلن الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض، لارى سبيكس، تأييده للهجوم الإسرائيلي على مقار منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، واعتبر أن «ما صنعته إسرائيل يندرج في حق الدفاع عن النفس». وعلّل الأميركيون تلك الغارة بأنها «جاءت نتيجة طبيعية للإرهاب الفلسطيني الذي حصل قبل أسبوع، ضد يخت إسرائيلي في ميناء لارنكا القبرصي، وقضى على إثره ثلاثة إسرائيليين». لم يشر المتحدث باسم رونالد ريغان إلى ذنب التونسيين الذين قتلوا في العدوان الصهيوني. هل كان هؤلاء أيضاً «إرهابيين» اشتركوا في عملية لارنكا؟! ولم يستسغ الرئيس التونسي بورقيبة هذا المنطق الأميركي العجيب حين علم به. أرسل إلى سفير الولايات المتحدة في تونس بيتر سيباستيان يستقدمه حالاً إلى قصر قرطاج. كان الزعيم العجوز قد استشاط غيظاً. فجأة تقمّص، من جديد، شخصية المناضل العتيق، وراح يقرّع السفير الأميركي بكلمات حادة، مهدّداً بأنه «سيقطع علاقته بأميركا إن هي أهانت تونس». كانت تلك مجرد نوبة غضب!

نيويورك، الثامنة مساء:
اتصل بورقيبة بوزير خارجيته الباجي قائد السبسي الموجود، وقتها، في نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأعلمه بنيته قطع العلاقات مع واشنطن إذا ما استخدمت الأخيرة حق «الفيتو» في مجلس الأمن، في مواجهة قرار يدين إسرائيل. انعقد اجتماع مجلس الأمن، وكان التونسيون يريدون استصدار قرار يدين «إسرائيل» بجرم العدوان على بلادهم. وضغط الأميركيون، عن طريق مندوبهم فيرنون والتزر لكي لا يصدر قرار بصيغة حازمة ضد الدولة العبرية. كان على قائد السبسي أن يقدم بعض التنازلات «للأصدقاء الأميركيين». رضي وزير الخارجية التونسي بحذف عبارة «إرهاب الدولة الإسرائيلية» من نص البيان، وقبل باستبدالها بهذه الجملة المائعة «العمل المسلح الذي قامت به إسرائيل». لم يعجب ذلك التنازل سفير تونس في الأمم المتحدة نجيب البوزيري، ولا ممثل منظمة التحرير الفلسطينية زهدي التارزي. ولكنّ السبسي اعتبر تصرفه حكيماً، فلقد أدّى، في نهاية المطاف، إلى امتناع واشنطن عن استعمال «الفيتو» ضد القرار التونسي. لقد كانت هذه إذاً هي «الصفعة الكبيرة» التي وجهتها تونس لإسرائيل ثأراً لدماء أبنائها، حسب السيد الباجي قائد السبسي!