منذ نشر «الأخبار» للمقال الأخير تحت عنوان «حاصباني يصرُف المليارات على مستشفيات وأسرّة وهمية»، يتنقل وزير الصحة غسان حاصباني من وسيلة إعلامية إلى أخرى، محاولاً التعتيم على الوقائع الموثقة والمخالفات المرتكبة في وزارة الصحة. وفي انتظار بتّ النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم الملف بعد استدعائه مستشاري حاصباني على خلفية مقال «الأخبار»، يفترض توضيح ما ينبغي توضيحه:

يروّج حاصباني أنه «أول من أجرى مناقصة في إدارة المناقصات لشركات التدقيق»، أي شركات الـ TPA التي تراقب عمل المستشفيات وفواتيرها. الصحيح أن المناقصة الأولى أجرتها دائرة المناقصة في عهد الوزير وائل أبو فاعور وفازت بموجبها شركتان اثنتان.
يتباهى بأنه «خفض عقود المصالحات، علماً بأنّ الكلفة الموضوعة لشركات التدقيق 4 مليارات ليرة»، غير أن ما لم يعلنه وزير الصحة للرأي العام أنه لم يتقيد بتوصيات شركات التدقيق الأربع في ما خصّ نسب الحسم للمستشفيات، واستعاض عنها بالنسب المعدلة من مستشاره إيلي حاصباني (نشرت «الأخبار» نسخة عن الجدول المعتمد). هكذا طارت المليارات الأربعة هباءً. أضف إلى ذلك أن شركات التدقيق كانت تعتمد سابقاً كرقيب على المستشفيات الخاصة، فيما يراقب الأطباء المتعاقدون عمل المستشفيات الحكومية. لكن حاصباني وسّع عمل هذه الشركات لتشمل المستشفيات الحكومية، فبات القطاع الخاص يراقب عمل القطاع العام!
بالنسبة إلى الأطباء المتعاقدين، يقول حاصباني إنه أعطاهم «مهمات جديدة، هي مراقبة أداء شركات التدقيق». وأصبح المشهد كالآتي: الوزارة تدفع للأطباء الذين يراقبون شركات التدقيق التي تراقب بدورها المستشفيات، وفي النهاية لا يؤخذ بتقرير هذا أو ذاك، بل يتكل الوزير على رؤية مستشاره!
يؤكد حاصباني أن «السقوف الماليّة توزيع لموازنات، وليست صرفاً للأموال، فالصرف يخضع للتدقيق والرقابة والحسم قبل أن يمرّ في وزارة المال وديوان المحاسبة». وهو ما كتبته سابقاً «الأخبار» وما يمنح المواطن أملاً في تصحيح مخالفات الوزير بمنح سقوف مالية لمؤسسات غير مستوفية الشروط القانونية. وفيما كان وزير الصحة يصرّ سابقاً على أنه التزم المرسوم الذي يحدد هذه السقوف (السقف المالي هو المبلغ الذي تدفعه الوزارة إلى المستشفيات مقابل علاجها المرضى غير المضمونين والذين لا تأمين صحياً بحوزتهم)، يعترف اليوم بالقرار الذي هربه في جلسة الحكومة الأخيرة (بعد نشر «الأخبار» للقرار)، مستنداً إلى المادة الرابعة في المرسوم التي تسمح له بتعديل بعض السقوف. الا أنه أسقط المادة الأخيرة في المرسوم رقم 4599 التي تنص على أنه «يُعمل بهذا المرسوم حتى صدور مرسوم آخر» لا بقرار فردي للوزير، فالمرسوم لا يلغيه إلا مرسوم آخر، والمادة الرابعة تتيح تعديل السقوف لا إعادة جدولتها، وإدخال مؤسسات إضافية محسوبة على فريق حاصباني.
يبرر وزير الصحة تعديل السقوف بالآلية الجديدة التي اعتمدها لمنع المحاصصة السياسية التي تعتمد على عدد الأسرّة في كل مستشفى، ليتبين أن التلاعب طاول أيضاً عدد الأسرّة، إذ لم تلتزم الوزارة العدد الذي صرّحت به المستشفيات في إفادات نقابة المستشفيات، بل عمد إلى زيادة عدد الأسرّة لبعض المستشفيات بشكل كبير لرفع سقفها المالي. يومها خرج رئيس نقابة المستشفيات سليمان هارون ليدافع عن الوزارة باللحم الحيّ، فأكد أن «العدد المصرّح عنه من قبل النقابة والوارد في الإفادات الصادرة عنها هو العدد الذي تصرّح به المستشفيات نفسها»، وأن بعض المستشفيات تعمد أحياناً إلى «زيادة أو خفض العدد دون العودة إلى النقابة». للصدفة، إن مستشفى هارون نفسه المملوك من رئيس النقابة تلاعب هو الآخر بعدد أسرّته! (تنشر «الأخبار» إفادة مستشفى هارون). وللصدفة أيضاً، إن هارون من المحظيين الذين رفعت سقوفهم المالية. وبغضّ النظر عن أن تصريح هارون كان يستدعي محاسبته في أي دولة فعلية، الأنكى ثناء حاصباني على كلامه، مضيفاً أن الوزارة «تواصلت مع المستشفيات جميعها، وتأكدت من العدد الحقيقي للأسرّة، واعتُمد ذلك في الآلية (...) لأن بعض المستشفيات لم تصرّح عن كامل عدد الأسرّة لديها»! فالوزير الحريص على مصلحة المستشفيات الخاصة أكثر من حرص مالكيها عليها، حسم بأنه لا يثق بالجداول التي ترسلها إليه ولم يرضَ إلا بالتأكد شخصياً من العدد لرفع سقفها المالي، فيما يتهم جهات سياسية بشنّ حملة عليه لمجرد اعتراضهم على خفض سقوف المستشفيات الحكومية!
يبدو أن ملف صحة المواطنين في عهد حاصباني يعالج «بالأملية»، لا وفق المستندات الرسمية. علماً بأن بعض المستشفيات «الجامعية»، وأولها مستشفى في منطقة الأشرفية، وآخر في الحمرا، تقبض من جهة وترفض استقبال مرضى الوزارة من جهة أخرى. لكن لم يرفّ لحاصباني جفن وهو يلعب بـ«شحطة» قلم بحياة المواطنين غير المضمونين وغير المؤمن على حياتهم عبر خفض سقوف بعض المستشفيات الحكومية. وبدل العمل لتحسين وضعها، قرر مضاعفة عجزها تمهيداً لإيقافها عن العمل. وإلا فما الذي يفسر حرمان مستشفى طرابلس الحكومي الاعتماد الذي كان يتلقاه لعلاج السرطان، ومن ضمنه صورة الـ«pet scan»، فبات الطرابلسي يقصد مستشفى النبطية للعلاج! لكن حاصباني لا يقرّ بأخطائه، بل يذهب بعيداً في إعطائها الطابع الطائفي للتغطية على فشله الإداري. أما اعتماد عدد الأسرّة «معياراً علمياً» لتوزيع السقوف، فذلك يتطلب مراجعة فعلية لكل عمل الوزير ووظيفة مستشاريه. فالأسرّة لا تعبّر عن الواقع الفعلي للمرضى، إذ يمكن مريضاً أن يجري عملية طارئة ويستخدم السرير ليوم واحد، ويمكن آخر يعاني مرضاً مزمناً أن يبقى في المستشفى لمدة شهر. وكان الأجدى بالوزارة لحظ العلاجات التي تجريها كل مستشفى ونوعيتها وتكلفتها لا عدد الأسرّة، الأمر الذي يقود إلى السؤال الآتي: أي مستشفى يستحق مضاعفة اعتماداته: المستشفى «الجامعي» الذي يضم أكثر من 400 سرير، ولكنه يرفض استقبال مرضى على حساب الوزارة؟ أم مستشفى آخر يضم 18 سريراً، ولكنه يعالج كل الحالات التي تأتيه على حساب الوزارة؟ المستشفى الخاص الذي يموت المواطن غير الميسور على أبوابه، أم المستشفى الحكومي الذي يستقبل من لا ظهر لهم ومن يرفضون استجداء الخدمة من قصور أولياء نعمة حاصباني وغيره من السياسيين؟



مؤسسة «أنت أخي»
رداً على مقال الزميلة رلى إبراهيم في جريدة «الأخبار» بعنوان: «حاصباني يصرف المليارات على مستشفيات وأسرّة وهمية»، جاءنا من رئيسة مؤسسة «أنت أخي» رلى نجم، ردّ أكدت فيه «عدم صحة ما ورد في المقال عن أية محسوبية كما وأي سقف مالي أقرّ لمؤسسة أنت أخي». وعليه، تنشر «الأخبار» على موقعها الالكتروني السقف المالي الذي اعتمده وزير الصحة غسان حاصباني للمؤسسة والذي يحمل توقيعه. (السقف المالي الذي حدده وزير الصحة لمؤسسة أنت)