سيطرة الطوائف على الحياة السياسية والقانونية والاجتماعية والثقافية في لبنان، «برّرت» وجود مجالس طائفية تتدخّل في كلّ مفاصل الحياة. دورها يتعدّى الإطار الديني، الذي من المفترض أن يكون عملها محصوراً به، ليبلغ مستوى لعب دور سياسي. لكلّ طائفة مجلسها، حيث يحصل الالتقاء بين رجال الدين والسياسة، بغية إصدار مواقف باسم الدين، «نُصرةً» للطائفة أو المذهب كلّما دقّ الخطر بمصالحها. وغالباً ما تكون هذه المجالس، «درع الحماية» للنافذين داخل الطائفة، أو السياسيين، عند حاجتهم إلى «غطاء شرعي» لمواقفهم، أو ساحةً لتفجّر الصراع بين القوى المتنافسة والمتصارعة داخل «البيئة» الواحدة.

وهج «الزعامات الكاثوليكية» بدأ يخفت، على حساب الأحزاب السياسية(هيثم الموسوي)

المجلس الأعلى للروم الكاثوليك، واحدٌ من «مجالس المِلَل» هذه، وفيه برز الخلاف السياسي بين زعامتَي آل سكاف وآل فرعون الطائفيتين، واللتين كانتا تسعيان إلى الاستئثار بكل ما له علاقة بـ«الكاثوليك». مُناسبة الحديث عن المجلس الأعلى للروم الكاثوليك هو الاقتراح الذي يُعمل عليه حالياً من أجل تعديل النظام الداخلي لـ«المجلس»، بما يؤدي إلى فصل السياسة عنه وتحويله إلى ما يُشبه المجلس الاستشاري إلى جانب البطريركية، «أما الكنيسة والرهبانيات، فتتحمّل هي مسؤولية إحداث النهضة الثقافية، ومساعدة أبناء الطائفة اجتماعياً»، تقول مصادر داخل المجلس الأعلى للروم الكاثوليك. يبدو «عادياً» في لبنان أن تُسَلَّم مسؤولية «المواطنية» إلى الطوائف، وذلك في ظلّ غياب مفهوم الدولة الجامعة.
في 9 تشرين الثاني 2017، انتخبت الهيئة التنفيذية للمجلس الأعلى للروم الكاثوليك النائب السابق ميشال فرعون نائباً للرئيس، الذي صرّح عقب انتخابه، قائلاً: «للمجلس خصوصية كاثوليكية، من جهة، ودور وطني، من جهة أخرى، فهو الناطق الرسمي باسم الطائفة وبرئاسة البطريرك». لم تمرّ تلك الانتخابات بسلاسة، ولم تعكس جواً توافقياً، في ظلّ مقاطعة قسمٍ من الأشخاص المُسجلين على لوائح الانتخاب، فقد اقترع ٨٠ شخصاً من أصل ١٧٥. ثمّ قرّرت رئيسة الكتلة الشعبية ميريام سكاف الاستقالة من المجلس، مُصدرةً بياناً وجّهت فيه التحية إلى كلّ من «لم يساهم في التركيبة السياسية المعدّة سلفاً للمجلس الأعلى لطائفة الروم الكاثوليك». تبلور الموقف كان بسبب «انقلاب» فرعون على الاتفاق الذي كان قد تمّ برعاية البطريرك الأسبق غريغوريوس الثالث لحام، بأن يؤول منصب نائب الرئيس إلى زحلة.

إلغاء منصب نائب الرئيس، يعني سحب آخر مصدر نفوذ من يد ميشال فرعون (الوكالة الوطنية للإعلام )

كانت تلك المحطة مثالاً على الصراعات السياسية التي يشهد عليها المجلس الأعلى للطائفة الملكية. خلافات كان يُزكيها ارتباط زعامتَي سكاف وفرعون بعضهما ببعض، بمعنى أنّ ارتفاع الواحدة دائماً ما يكون على حساب انكفاء الثانية. في الانتخابات النيابية الأخيرة، في أيار الماضي، خسر ميشال فرعون في الأشرفية وميريام سكاف في زحلة. بدا أنّ وهج «الزعامات الكاثوليكية» بدأ يخفت، على حساب الأحزاب السياسية التي منحها الناخبون ثقتهم.
في قضاء زحلة، انتقل «القرار الكاثوليكي» من المدينة إلى ريّاق (جورج عقيص — القوات اللبنانية) والفرزل (ميشال الضاهر — التيار الوطني الحرّ). أما في الأشرفية، فقد قُدّم «المفتاح» إلى نقولا صحناوي (التيار الوطني الحرّ).
هذا «الغياب» لما يُسمّى «المرجعية المناطقية»، سهّل إمرار اقتراح تعديل النظام الداخلي للمجلس الأعلى للروم الكاثوليك. في أحد اجتماعات المجلس، فُتح النقاش بأنّ «وجود السياسيين في هذا المجلس أمرٌ لا لزوم له، فليتحولوا إلى مجلس أمناء، ولتلعب الطائفة من ناحية أخرى دورها». طُرح جدّياً «دور المجلس غير الفاعل، الذي يكتفي بإصدار البيانات، ولا وجود فيه إلا لأصحاب النفوذ المادي والسياسي».
من ضمن الاقتراحات إلغاء منصب نائب الرئيس الذي يشغله حالياً ميشال فرعون


شُكّلت لجنة من جورج عقيص وإبراهيم طرابلسي وقرابة ١٧ محامياً لوضع الاقتراح، ومن المفترض أن تُناقش المسودة الأولى خلال الجلسة التي ستُعقد في تشرين الثاني.
يبدأ عقيص حديثه لـ«الأخبار»، بالأسف أنّه في لبنان «نبدو مُصرين على التموضع داخل الطوائف. لا يريدون أن نكون دولة». ويقول إنّه كان سيفهم وجود مجالس طائفية «لو كان هناك إمكانية للفرد في الاختيار بين أن ينتسب إلى مجلس طائفي أو غير طائفي». إذاً، القاضي الآتي من خلفية علمانية، كُلّف «مهمة إدخال التعديلات على نظام المجلس، ولست وحدي، بل بإمكان كلّ أعضاء الهيئة العامة التقدّم باقتراحات، وستعمل اللجنة القانونية على التوفيق بينها». الهدف تحويل النظام «إلى نظام أكثر عصرياً ومواكبةً لاحتياجات الناس ورعاية شؤون الطائفة، مع وضع آليات انتساب جديدة». ويُضيف عقيص أنّ من ضمن الاقتراحات «إلغاء منصب نائب الرئيس (يشغله حالياً فرعون)، وتفعيل جهاز الأمانة العامة».
إلغاء منصب نائب الرئيس، يعني سحب آخر مصدر نفوذ من يد نائب الأشرفية السابق، بعد سقوطه شعبياً وانتهاء ولايته الوزارية. لذلك، قد تُثير هذه التعديلات حساسيته وتُلاقي معارضةً منه. يؤكد عقيص أنه «لم نشهد أي معارضة علنية من أي فريق، وفي كلّ الأحوال، التعديلات ستخضع للتصويت، إذا لم يكن هناك أغلبية لمصلحتها تسقط».