هي رسالة من مُحِبّ وحريص على شخصكم الكريم، كما على موقعكم الرئاسي الذي توسّمنا فيه نقلة نوعية على صعيد احترام الدستور والصلاحيات التي يحددها لكل من الرئاسات بهدف حفظ التوازن بينها، والأهم الانتقال الى حكم المؤسسات الدستورية وليس الأشخاص.

من الطبيعي أن يجنح جمهوركم المتأرجح بين "العونية" كنهج وطني يتجاوز حالة مسيحية محددة، وبين "التيارية" التي تسعى الى محاصرة المسيحيين بإطار تنظيمي يختصر تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، إلى استدعاء عصبية كامنة انتصاراً لشخصكم وتباعاً لمن ولّيتموه على النهج والتيار.
لكن من غير المألوف وفقاً لخطابكم المستحدث إثر التفاهم بينكم وبين السيد حسن نصر الله، وبالتالي بين حالتكم العونية آنذاك وحزب الله، أن يتم استحضار أفكار وطروحات ومفردات "انعزالية" لا تلغي مفاعيل التفاهم فحسب، بل يمكن أن تعيد اللبنانيين الى زمن الكراهية والانقسام النفسي، وإن كانت ظروف السعي الى التقسيم بعناوين فيدرالية أو لامركزية سياسية غير ممكنة، إضافة الى أن فخامتك لا يمكن أن تقبل بها قطعاً.
إن الاختلاف حول مقاربة شأن سياسي ما كتشكيل الحكومة ليس أمراً جديداً على الحياة السياسية في لبنان، بل ان الحيز الزمني الذي أخذه موضوع هذا التشكيل ربما يكون الأقصر في تاريخ تشكيل الحكومات بعد عام 2005. وبالتالي فإن إلباس الأمور لبوس العمل على إفشال "العهد" أو استهداف الرئاسة الأولى وبث الشائعات المؤذية ضد فريق كان مبادراً وسباقاً الى التفاهم معكم بناءً على رؤية وطنية وليس مصلحية، كما الى دعم ترشيحكم لرئاسة الجمهورية من دون شروط أو تفاهمات على سِللٍ مسبقاً، سيؤدي حكماً وربما أدى فعلاً الى إيجاد شرخ عمودي بين بيئتين لم تتقاتلا يوماً حتى في أحلك مراحل الحرب الأهلية.
إن هذا الأمر الخطير يستوجب إعادة النظر بالكادر السياسي المُثَقِّف لحالة "التيار" والذي يبدو أن بعضه ورد إليكم من تنظيمات أخرى اتّسم أداؤها تاريخياً بالمراهنة على أفكار قائمة على العصبية الطائفية والتعامل مع أعداء لبنان.
إن الثقة بشخصكم وبنهجكم لم تتبدل ولن تتبدل، غير أن هذه الثقة تحتاج الى سعة صدر وطنية تعزز آلة الرياسة، وذلك من خلال تكريس التطبيق الحرفي للدستور ــــ دستور الطائف ــــ في ما يعني تكوين السلطة والتفاهم على ما لم يلحظه هذا الدستور في حالات استثنائية إن وجِدَت، هذا التطبيق الذي يقودنا الى طرح العديد من التساؤلات، أبرزها:
* أولاً: لماذا الإصرار على اقتطاع حصة لرئيس الجمهورية من الحكومة؟ في حين أنكم في عام 2011، خلال مقابلة على محطة OTV، أكدتم أن الدستور لا يلحظ أي حصة لرئيس الجمهورية ولا يحق للرئيس المطالبة بها. كذلك صرحتم خلال مؤتمر صحافي في الرابية، إبان انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، «بأن جميع الوزراء يعتبرون وزراء الرئيس، والرئيس ليس بحاجة الى وزراء لأنه لا يمكنه تحمل مسؤوليتهم».
* ثانياً: وفي حال تكريس حصة لرئيس الجمهورية في الحكومة، هل يجوز أن يصبح «وزراؤه» جزءاً من تكتل نيابي ــــ وزاري طرفٍ في الحياة السياسية كبقية الأطراف؟ وفي حال التناقض مثلاً بين موقف هذا الطرف وموقف الرئيس حول أمر ما، برأي أو بقرار مَن سيلتزمون؟ وفي المبدأ، هل يحق لرئيس الجمهورية وهب حصته الوزارية الى أي جهة سياسية؟ فإذا كان الأمر طبيعياً و«دستوريا»، إذاً لماذا لا يتم وهب المقعد الوزاري للقاء التشاوري كما تم وهب المقاعد الأخرى لتكتل لبنان القوي؟ وهل من الدستوري أو العرفي أو التقليدي أن يحضر الوزراء المحسوبون على الرئاسة في حكومة تصريف الأعمال الحالية اجتماعات التكتل المذكور؟
* ثالثاً: هل من الدستوري أو العرفي أو التقليدي أنه كلما أراد الرئيس المكلف الاجتماع برئيس الجمهورية، كان ثالثهما رئيس تكتل نيابي غير معني بالتشاور بينهما؟ وإذا كان الأمر جائزاً، فمن حق رؤساء الكتل النيابية الأخرى الانضمام الى هذا الاجتماع بمجرد علمهم بحصوله.
فخامة الرئيس، لن تجد بيننا من لا يرغب بل ويسعى لإنجاح "عهدكم" وإنقاذ لبنان، ولن تجد بيننا من لا يهتم لاستعادة المسيحيين حقوقهم في السلطة تحقيقاً للتوازن الوطني وتكريساً للسلم الاجتماعي.
لكن أيضاً لن تجد بيننا من سيقف متفرجاً على مخالفة الدستور في "عهدكم" أو التحايل عليه تحت عناوين طائفية أو مصلحية شخصية، وإذا كان ذلك قدراً لا مفر منه فإننا أمام مرحلة متجددة من الصراع السياسي حول تفسير الدستور والصلاحيات وحقوق الرئاسات، ومن خلفها الطوائف والمذاهب، وبذلك سيُستنزف "عهدكم" هذا من دون تحقيق أي من وعودكم التي وثقنا بها وكنا ولا نزال مساندين لكم لتحقيقها.
إن البديل من تنفيذ دستور "الطائف" نصاً وروحاً بعيداً عن الأعراف والتقاليد والاستنسابية، هو الاستمرار في تحكم أمراء الطوائف بمقدرات السلطة وبمالها العام وبمستقبل اللبنانيين، وخصوصاً منهم الأجيال التي تسرب اليأس الى نفوسها بعدما كانت قد وجدت بكم أملاً ممكن التحقق... ولكم الخيار.
* المدير العام السابق لوزارة الإعلام