لم تتغيّر مقاربة الولايات المتحدة حيال لبنان، باعتباره مجرّد ساحة لتصفية الحسابات مع خصومها الإقليميين والدوليين في مراحل اشتداد الأزمات، رغم مرور الزمن. زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، المقررة السبت المقبل، والتي تندرج في سياق المواجهة المتصاعدة على مستوى الإقليم بين واشنطن وحلفائها من جهة، ومحور المقاومة من جهة أخرى، تأكيد جديد على ثبات هذه المقاربة. حتى أصدقاء واشنطن اللبنانيون، الذين يصرّون عادة على التذكير بـ«الحرص الأميركي على الاستقرار في لبنان»، يعترفون بأن لهجة المبعوثين الأميركيين، وبينهم ديفيد ساترفيلد وديفيد هيل، قد اختلفت وزادت حدّة تحذيراتهم من «مغبة التعامل مع إيران وحزب الله». والحقيقة هي أننا أمام مسعى أميركي معهود لتسعير الانقسامات الداخلية اللبنانية وتوظيفها في إطار الاستراتيجية الإقليمية لواشنطن. لم تتردّد الولايات المتحدة منذ أواخر خمسينات القرن الماضي في اعتماد هذه السياسة حيال لبنان. فهي عملت على استغلال هذه الانقسامات الداخلية لتوظيفها ضدّ تيار القومية العربية الناهض في تلك الحقبة. وعادت وساهمت في تسعيرها في أواخر ستيناته لإشغال المقاومة الفلسطينية في اقتتال أهلي محلي ومنعها من التفرّغ للعمل العسكري ضد إسرائيل. حتى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كان جزءاً من الهجوم المضاد الذي شرعت به إدارة ريغان على نطاق عالميّ للردّ على سلسلة الهزائم التي مُنيت بها الولايات المتحدة بدءاً من حرب فيتنام، مروراً بأنغولا وإثيوبيا، وصولاً إلى نيكاراغوا وانتصار الثورة الإسلامية في إيران. عدوان تموز - آب الإسرائيلي سنة 2006 شكّل بدوره المحطة الثانية بعد غزو العراق في 2003 في مشروع إعادة صياغة الشرق الأوسط. صحيح أن قوى محلية لبنانية وافقت في الماضي على العمل ضمن المخطّطات الأميركية، لاعتقادها بحتمية نجاحها وبأنها ستمكّنها من الاستئثار بالسلطة. إلا أنّ الحصاد المرّ لهذه الرهانات يُفترض أن يقود إلى العدول عن ما يماثلها اليوم وفي المستقبل. حقيقة أخرى ينبغي أن تدفع في هذا الاتجاه، وهي أن الولايات المتحدة، رغم مزاعمها، لم تعد تمتلك مشروعاً واضحاً للمنطقة، وفرضت عليها التحولات الدولية أولويات استراتيجية في مناطق أخرى، شرق آسيا وأميركا الوسطى واللاتينية، وأن جلّ ما تسعى إليه في إقليمنا هو إشعال الحرائق لمنع أعدائها من ملء الفراغ الناجم عن تراجع نفوذها. من يرغب في أن يكون حطباً للحرائق؟

سياسة إشعال الحرائق

الولايات المتحدة، رغم مزاعمها، لم تعد تمتلك مشروعاً واضحاً للمنطقة


شتان ما بين ما ترغبه الولايات المتحدة وإسرائيل وما يمكنهما القيام به فعلاً. لو كان باستطاعة الطرفين قلب موازين القوى في الإقليم عبر عملية أو عمليات عسكرية كبرى في أكثر من ساحة، لما تردّدا. لكنّ النتائج الكارثية السياسية والاستراتيجية للحروب الأميركية والإسرائيلية الأخيرة، وقدرات أعدائهما المتعاظمة على التصدي والردّ في أرجاء المنطقة يحدّ من واقعية العودة إلى خيارات من هذا النوع، على الرغم من عدم استحالتها تماماً، لأنّ الخطأ في الحسابات يبقى وارداً لدى صنّاع القرار المتغطرسين. ما برز حتى الآن من مواقف وسياسات أميركية تجاه أطراف محور المقاومة يشي باعتماد إدارة ترامب نمطاً آخر من الحرب يرتكز على أدوات مثل العقوبات الاقتصادية والمالية والضغوط السياسية والدبلوماسية والعمليات الأمنية والسيبرانية والحملات الإعلامية وسباق التسلح والتهويل المستمر بالحرب. غاية هذه الحرب الهجينة، التي يبدو أنها أصبحت الشكل الجديد للحروب التي تشنّها واشنطن في بقاع عديدة من العالم، هي استنزاف الأعداء وإثارة الانقسامات الداخلية بين شعوبهم، واستثمارها لتحقيق أجندتها. هي ما زالت تحاول الترويج لفرضية امتلاكها مخطّطاً شاملاً يقوم على بناء تحالف عربي - إسرائيلي لمواجهة إيران وحلفائها واحتواء نفوذهم تمهيداً للانقضاض عليهم أو لتفجير تناقضاتهم الداخلية بفعل الاستنزاف والعقوبات. الحديث عن «صفقة قرن» وعقد المؤتمرات الاستعراضية، كمؤتمر وارسو، يخدم هذا الغرض، أي طمأنة الحلفاء بأن لدى الإدارة الأميركية تصوّراً لكيفية الانتقال إلى الهجوم المضاد. غير أن الوقائع تُظهر أن هذه الإعلانات المدوية والاستعراضات لم تمنع التحوّل المتواصل في موازين القوى لمصلحة محور المقاومة على المستويات الميدانية والسياسية في سوريا والعراق، وعلى مستوى القدرات العسكرية لأطرافه، التي تطوّرت نوعياً في السنوات الماضية. تأتي هذه المتغيرات في سياق دولي يضطر الولايات المتحدة لتعديل جدول أولوياتها لاحتواء ما تراه «تهديد الصين»، المتحالفة مع روسيا، والتي تنتقل من المنافسة في مجال الاقتصاد والتجارة إلى المجال التكنولوجي والاستراتيجي. يتطلب هذا الاحتواء حشد طاقات وتخصيص قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية - دبلوماسية تشكّل بمجملها «استدارة نحو آسيا» كما أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لتأكيد أولوية هذا التحدّي، مقارنة بغيره من الأولويات. وتكشف الأزمة الفنزويلية المستعرة بسبب التدخل الأميركي، وما صدر من مواقف وتصريحات رسمية من واشنطن عن أهمية مجابهة «ثلاثي الشر» الممثّل من فنزويلا - نيكاراغوا - كوبا، عن بروز أولوية أخرى، وهي محاولة استعادة السيطرة على ما كانت تعتبره واشنطن حديقتها الخلفية، أي بلدان أميركا الوسطى والجنوبية. التحليل الجدّي للسياسة الأميركية في المنطقة لا يستطيع تجاهل هذه الوقائع المستجدة وما يترتب عليها. هي مُجبرة - للتعامل مع الوقائع المذكورة - على أن تعود إلى الاعتماد المتزايد على الوكلاء المحليين وإلى إثارة الفتن والانقسامات لإشغال واستنزاف الأعداء ومنعهم من تحصيل مكاسب إضافية. مراجعة سريعة لأوضاع المنطقة من منظور الفريق المعني بها في إدارة ترامب، أي مايك بومبيو وجون بولتون أساساً، ومن يعمل تحت إمرتهما، تظهر دولاً مدمرة كلياً أو جزئياً، كانت مُدرجة على لائحة محور الشر، كسوريا والعراق وليبيا، وقطب إقليمي اتسع دوره ونفوذه بشكل مطَّرد، وهو إيران. ما يوصي به هذا الفريق، بدعم من اللوبي الإسرائيلي والسعودي، هو تصعيد الهجوم عليها وعلى حلفائها بالإمكانيات المتاحة، أي من خلال إشعال الحرائق وإثارة الانقسامات في «مناطق نفوذها»، وبينها لبنان، وفي داخلها، لمنعها من التحكّم بالإقليم بعد انسحاب أميركي جديد منه لإعادة التموضع في المناطق الأخرى. بكلام آخر تراهن الولايات المتحدة على ضعف ذاكرة اللبنانيين وعلى قابليتهم لتصديق وعودها والخوف من تهديداتها لينقسموا ويتنازعوا خدمة لأجندتها. من الغني القول إن الحدّ الأدنى من الحرص على المصالح الوطنية ينبغي أن يحفّز جميع القوى السياسية اللبنانية لرفض الانقسام والفتنة اللذين يريدهما بومبيو، ولإدراك أن لبنان يستطيع بناء شراكات أخرى غير تلك التي لا جدوى منها مع الولايات المتحدة في عالم يوافق حتى الخبراء الأميركيون البارزون على وصفه بـ«ما بعد أميركي».