«بالنسبة إلى أولئك الذين يزعجهم استخدام القوّة الأميركية، تذكّروا ذلك: لقد كانت أميركا دائماً، وستبقى دائماً، قوة محرِّرة، وليست قوة احتلال. إننا لم نحلم أبداً بالهيمنة على الشرق الأوسط، فهل يمكنكم قول الشيء نفسه عن إيران؟».

(مايكل ر. بومبيو)

في مكتبه الكائن في الطبقة السابعة في مقرّ وزارة الخارجية الأميركية، يحتفظ مايكل بُومبِيو، وكنيته «مايك»، بالكتاب المقدّس مفتوحاً، ليذكّره، كما يقول، «بالله وكلمته، وبالحقيقة». كُتبت هذه العبارات His Word, and The Truth بالأحرف الكبيرة، للدلالة على أهميّة ما يقول، وفق النصّ الذي وزّعته وزارة الخارجية لخطابه في الجامعة الأميركية في القاهرة (10 كانون الثاني/ يناير).
يومَها، بدَا واضحاً جداً في طرح سياسة إدارة دونالد ترامب في الشرق الأوسط. وبهدف تبسيطها أكثر، شدّد، بدايةً، على أنّه جاء إلى المنطقة كـ«مسيحيّ إنجيليّ».
لنعُد إلى «الحقيقة». يُطلعنا بومبيو أنّها «حقيقة لا يتمّ الحديث عنها كثيراً في هذا الجزء من العالم»، مذكّراً بأنّ «أميركا هي قوة للخير في الشرق الأوسط»، وبأنّ عدم الاعتراف بهذه الحقيقة يُعَدُّ «خياراً سيئاً». ويترتّب على هذه الخيارات (السيئة) «نتائج بالنسبة إلى الدول والملايين من البشر». فـ«من أجل سلامتنا ورخائنا الاقتصادي» علينا، إذاً، الاعتراف بـ«الخير الفطري» لأميركا. استغلّ بومبيو المنصّة في القاهرة ليقدّم عِظةً افتقرت إلى رؤية واضحة حول فضائل سياستَي «الاستثناء» و«التدخّل» الأميركيتين. فقال: «تعلّمنا أنّه عندما تتراجع أميركا، غالباً ما تتقدّم الفوضى».

«معركة الخير والشرّ»
لم تكن جاذبيّة الإنجيليين البيض، في السابق، بهذا الوضوح. فنائب الرئيس مايك بنس الذي اختاره ترامب إشارةً إلى التزامه تجاه هؤلاء، ووزير خارجيته بومبيو، يستشهدان باللاهوت الإنجيلي كقوّة محفّزة. في تجمّع كنَسي في ويتشيتا (كانساس) بعنوان «الرب والبلد» عام 2015، دعا النائب حينها، بومبيو، مناصريه للانضمام إلى «معركة الخير ضدّ الشر». «سنواصل خوض هذه المعارك»، قال. «إنه صراع لا نهاية له... حتى القيامة. كونوا جزءاً منه. كونوا جزءاً من المعركة». بالنسبة إلى جمهور بومبيو، فإنّ تلك معركة نهائيّة بين الخير والشر، والظهور الثاني للمسيح، حين يصعد المؤمنون إلى السماء، وتذهب البقيّة إلى الجحيم. أمّا بالنسبة إلى غالبية المسيحيين الإنجيليين الأميركيين، فإنّ أحد الشروط المُسبقة الأساسية لـ«هذه اللحظة»، هو تجمّع يهود العالم في «إسرائيل الكبرى» (من البحر إلى النهر). إنّه منهجٌ يُعرف بالتدبيريّة (القدريّة) أو الصهيونيّة المسيحيّة، وله تبعاته على السياسة الخارجية الأميركية. المباشرة منها تنسحب على الموقف من الصراع العربي - الإسرائيلي. أما غير المباشرة، فتنسحب على المواقف تجاه إيران، والجغرافيا السياسية للمنطقة، وأولوية حماية الأقليّات المسيحيّة.
بومبيو الذي يتبع للكنيسة المشيخيّة الإنجيلية، يقول إنّه «أُرشد إلى يسوع» على أيدي زملاء له في أكاديمية «وِسْت بوينت» العسكرية في الثمانينيّات. «إنّه يعرف جيداً كيف يطابق إيمانه مع معتقداته السياسية، وواجباته التي يضطلع بها كوزيرٍ للخارجيّة»، بحسب ستان فان دِنْ بِرغ، من رعاة كنيسة ويتشيتا التي يتبع لها بومبيو. ويستطرد في حديث لصحيفة «غارديان» البريطانية: «يكفي القول إنّه رجل مخلص، نزيه، لديه قلب عطوف، متواضع وحكيم».
وبينما يُتوقَّع أن ينمو تأثير بِنس وبومبيو والإنجيليين البيض المحافظين، يعتبر أندرو تْشِيسْنات، أستاذ الدراسات الدينية في جامعة فرجينيا كومنولث، أنّ «الكثير منهم يتطلّعون إلى الظهور الثاني للمسيح، لأنه يعني، بالنسبة إليهم، الحياة الأبدية في الجنّة». «هناك خطرٌ واضح يتمثّل في أن يصبح الأشخاص الذين هم في مناصب عليا - ممّن يتشاركون هذه المعتقدات - أكثر قدرة على أخذنا إلى صراع يوم القيامة». ويجادل بأنّ المسيحيّة الصهيونية باتت «لاهوت الغالبية» بين الإنجيليين الأميركيين البيض (اليمين المسيحي المحافظ)، الذين يمثّلون نحو ربع سكان أميركا البالغين، وفق مركز «بيو». 80 في المئة من هؤلاء صوّتوا لمصلحة ترامب في الانتخابات الرئاسية 2016، ولا تزال شعبيته بينهم مرتفعة جداً، مقارنة بالناخبين البيض الآخرين الذين تفرّقوا في العامين الأوّلين من رئاسته.

لبومبيو دورٌ فعّال في تعزيز الروابط مع الزعماء الإنجيليين الآخرين، كرئيسي غواتيمالا والبرازيل


الروابط الإنجيلية ساهمت أيضاً في تشكيل أو تمتين تحالفات الولايات المتحدة خلال رئاسة ترامب. بصفته وزيراً للخارجية، كان لبومبيو دورٌ فعّال في تعزيز الروابط مع الزعماء الإنجيليين الآخرين، بمن فيهم رئيس غواتيمالا جيمي موراليس، والرئيس البرازيلي جايير بولسُنارو. كلاهما تعهّد بالسير على خطى الإدارة الأميركية بنقل سفارة بلديهما في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس المحتلّة. خطوة نقل السفارة عزّزت، لدى الكثير من الإنجيليين، مكانة ترامب باعتباره قورُش العظيم، ملك فارس الذي ساهم، بحسب اعتقادهم، في إنقاذ اليهود من السَبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد. مقاربةٌ برزت بشكل واضح في الفيلم الديني «نبوءة ترامب» الذي تمّ عرضه أواخر تشرين الأول/ أكتوبر في 1200 من دور السينما في الولايات المتحدة. يصوّر الفيلم رجل إطفاء متقاعداً يدّعي أنه سمِع صوت الله يقول: «لقد اخترت هذا الرجل، دونالد ترامب، لوقتٍ مثل هذا».

البدايات الجديدة
كما سلفه ريكس تيلرسون وغالبية أركان الإدارة الأميركية، باستثناء ترامب، يفتقر بومبيو إلى الجاذبية والحِنكة السياسيّة. منذ تولّيه منصبه على رأس الدبلوماسية الأميركية، «لم يقدّم أداء بومبيو، في أيّ ناحية من النواحي، الكثير من الأمل بأنّه قادر على وضع رؤية مدروسة للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط واستراتيجية صالحة للسير بهذه المصالح»، والتعبير لنائبة مدير برنامج السياسة الخارجية في «بروكنغز»، سوزان مالوني. فهو جاء إلى المنطقة لإعادة تصويب «سوء التفاهم الأساسي الذي بدأ في هذه المدينة (القاهرة) عام 2009» (الخطاب الشهير لباراك أوباما). لقد أتى خصوصاً لنَقض المقاربة التي أنتهجها أوباما تجاه المنطقة، ولإعلان «بداية جديدة» للعلاقات الأميركية - الشرق أوسطية، خلافاً لتلك التي أعلنها الرئيس السابق. الرغبة الشديدة في محو إرث أوباما، يمكن تحليلها كقوّة محرّكة للسياسة الخارجية التي تنتهجها هذه الإدارة. ولكن الاختلاف الأكبر بين السياسَتين، هو ما لم يأتِ بومبيو على ذكره: أي التركيز على الديموقراطية وحقوق الإنسان، كشعارين استخدمتهما الإدارات المتعاقبة لدى مخاطبتها الجمهور العربي. عبّر بومبيو بوضوح عن استراتيجية تهدف إلى تعزيز الدعم لشركاء بلاده التقليديين في المنطقة وتشجيع تعاون أكثر فعالية في ما بينهم لمواجهة إيران في المقام الأوّل، لكن ذلك لا يختلف جذرياً عن كلّ الإدارات التي تعاقبت منذ عام 1979. الرسالة من القاهرة كانت واضحة وبسيطة: لا يهمّ من أنت وماذا تفعل طالما أنّك تشاركنا العداء ضدّ إيران. ولعلّ من باب المصادفة أن تسقط سهواً، في الترجمة الرسميّة إلى العربيّة لخطاب بومبيو، عبارة «إن حملة العقوبات العدائيّة ضدّ إيران موجّهة أيضاً إلى الجماعة الإرهابية (حزب الله) وقادتها». «حملة العقوبات العدائيّة» ضدّ إيران، السِمَة الأبرز للإدارة الحالية، تظهر أيضاً على الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية. يحتفظ الموقع على صفحته الرئيسية بتقرير مترجم إلى لغاتٍ عدّة، بعنوان «نظام خارج عن القانون: سجلّ إيران للأنشطة التدميرية»، «ألّفته» ما يطلق عليها «مجموعة عمل إيران» التابعة للوزارة نفسها. التقرير الذي أُطلق عشيّة الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية في إيران، ذُيِّل برسالة كتبها مايكل ر. بومبيو يذكّر فيها بأنّ الاتفاق النووي الذي كان هو من أشد الداعين والداعمين للانسحاب منه، «أثبت أنه رهان استراتيجيّ فاشل»، وأنّ «السياسة التي وضعها الرئيس ترامب تتّفق تماماً مع حقيقة أن جمهورية إيران الإسلاميّة ليست دولة طبيعية».



بيوغرافي
أدّى مايك بومبيو (1963 - كاليفورنيا) اليمين الدستوريّة وزيراً للخارجية في 26 نيسان/ أبريل 2018، خلفاً لريكس تيلرسون. قبل تعيينه على رأس الدبلوماسية الأميركية، شغل بومبيو منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» (كانون الثاني/ يناير 2017 ولغاية تثبيته في منصبه الجديد). وكان قبلها نائباً عن ولاية كانساس، وأحد أعضاء لجنَتي الاستخبارات، والطاقة والتجارة في مجلس النواب. أسّس بومبيو، قبل انضمامه إلى الكونغرس، شركة «ثاير أيروسبيس» المتخصّصة في مجال الفضاء، وشغل منصب رئيسها التنفيذي، ليصبح في ما بعد رئيساً لشركة Sentry International، لتصنيع وتوزيع معدات حقول النفط. تخرّج من أكاديمية «وست بوينت» العسكرية في عام 1986، ليلتحق بعدها بكلية الحقوق في جامعة هارفرد التي صار لاحقاً محرراً لدوريّتها القانونية «هارفرد لو ريفيو».