الخلاف حول ملف النازحين السوريين بات أبعد من تمايز بين موقف رئيس الجمهورية ميشال عون وحلفائه الداعم لعودة هؤلاء إلى بلادهم من دون انتظار الحلّ السياسي، وموقف رئيس الحكومة سعد الحريري وحلفائه المتماهي مع الموقف الغربي في استخدامهم ورقة ضغط وعامل جذب لتسوّل المساعدات، ليتحول انقساماً سياسياً حقيقياً حول ملفّ وجودي سيرسم مستقبل لبنان للسنوات المقبلة.

لدى استقباله المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى سوريا غير بيدرسون، أمس، كرر عون، بحسب مصادر اطلعت على ما دار في اللقاء، تأكيده أنه لا يمكن انتظار الحلّ السياسي لتحقيق عودة النازحين، مشيراً إلى القضية الفلسطينية والقضية القبرصية اللتين انتظر النازحون فيهما الحلّ السياسي، ولم يعودوا إلى بلادهم حتى الآن. ونقلت المصادر عن بيدرسون إشارته إلى أنه زار حمص ومناطق أخرى في سوريا واطلع على أحوال النازحين، مؤكّداً «أن هناك معاناة انسانية لكن لم يسمع أن الدولة السورية قامت باعتقالات في صفوف العائدين»، على عكس ما تحاول الرواية الغربية وبعض اللبنانيين ترويجه. إلّا أن المبعوث الدولي أكّد لرئيس الجمهورية أن الدول الغربية لا تنوي المساهمة بأي عمل لإعادة الإعمار أو بخطوات جديّة لعودة النازحين قبل «الحل السياسي».
«لم يعد للبنان القدرة على تحمل تداعيات النزوح السوري، وبتنا كمسؤولين قلقين على بلادنا»، قالها عون لبيدرسون بوضوح، مضيفاً: «لقد وصلنا الى الحد الاقصى للقبول بتحمل تداعيات وجود النازحين، ولا بد من العمل جدياً لاعادتهم الى المناطق الامنة في سوريا والتي باتت شاسعة ويمكنها ان تستعيد أهلها». أما بيت القصيد في كلام رئيس الجمهورية، فكان إشارته إلى مسألة الدعم المالي، إذ أكّد أمام بيدرسون أن «الدول التي شاركت في الحرب على سوريا تريد أن تحملنا النتائج»، وأنها «لو خصصت 10 % من تكاليف هذه الحرب لحلت مأساة النازحين»، داعياً الأمم المتحدة والدول المانحة إلى «تقديم المساعدات الى السوريين العائدين الى بلادهم، لا سيما ان ثمة مناطق سورية لم يصل اليها الدمار، وبالتالي يمكن لسكانها العودة اليها»، كما لفت الى أن «أكثر من 172 الف سوري عادوا من لبنان، ولم يصلنا اي تقرير يشير الى تعرضهم لمضايقات او ممارسات غير انسانية».

رهانات الحريري على ضغوط روسية على سوريا لتجميد التجنيد الالزامي واهية


الانقسام اللبناني تظهّر جليّاً من خلال تصريحات الحريري في مناسبة لافتة في التوقيت، هي حفل تكريمي أقامه على شرف مستشاره للشؤون الروسية جورج شعبان، قبل أيام من زيارة عون إلى موسكو ولقائه المنتظر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين! وإذا كان الحريري يتفّق مع رئيس الجمهورية بأن «لبنان لم يعد يقوى على تحمل أعباء أكثر من مليون ونصف مليون نازح من إخوتنا السوريين على أراضيه»، فإن الاختلاف الجذري يتمحور حول ترجمة المبادرة الروسية نفسها. إذ يتوافق الخطاب الروسي العلني وفي الحوارات الثنائية مع ممثلي المنظمات الدولية، على ضرورة تحويل الأموال المخصصة للنازحين من لبنان إلى سوريا. أي أن يحصل النازحون على الدعم في حال عودتهم إلى سوريا لمدّة معيّنة، لتشجيعهم على العودة ومساعدتهم في تأمين المستلزمات للعودة إلى حياتهم السابقة، فيما ترّكز الخيارات المقابلة، على تمويل بقاء النازحين والبحث عن سبل تثبيتهم في لبنان من خلال توسيع قاعدة الدعم المالي لتشمل تأمين فرص عمل وإقامة بنية تحتيّة مخصصة لاستيعاب النازحين.
ويراهن الحريري على دور روسي لممارسة ضغوط على دمشق، تحديداً لتجميد ملف الخدمة الإلزامية في الجيش السوري ومطالبته بتوقف دعوات الاحتياط، في تماهٍ تام مع الأجندة الغربية التي لطالما سعت قبل الحرب وخلالها إلى إفراغ هذا الجيش من مخزونه البشري. إلّا أن هذا الرهان، بعيد كل البعد عن الواقع، وهو حتى بالنسبة إلى الجانب الروسي، أمر استراتيجي في خطة إعادة الجيش السوري إلى سابق قوتّه البشرية وتطوير قدراته التسليحية. وبدل أن يحاول الحريري رمي الكرة في ملعب روسيا والحكومة السورية، كان الأجدر أن يطلق موقفاً يعكس اجماعاً لبنانياً في مؤتمر بروكسل لوضع خطة تنقل الدعم المالي للسوريين من لبنان وتحويلها إلى حوافز مادية للعودة.
ويتوقّع أن تشهد جلسة الحكومة غداً نقاشا بين الوزراء ورئيس الحكومة، حول مشاركة لبنان في مؤتمر بروكسل، وتغييب الوزيرين ناصر الغريب وجميل جبق عن الوفد الرسمي علماً أن وزارتيهما معنيتان بملف النازحين بشكل مباشر.