انتهى الانتخاب الفرعي في طرابلس الأحد إلى النتيجة المتوقعة سلفاً. حتى عشيته، التقت التقديرات على ترجيح نسبة مشاركة لا تزيد على 10%. في الغداة، استقرت النسبة، رسمياً، على 12%. لولا منطقتا البداوي والقلمون، لاقتصرت مشاركة طرابلس على نسبة 6% فقط. أما الفوز بالمقعد الذي حصل عليه تيار المستقبل، فبدا غير ذي أهمية في ظل التصويت الأكثري الذي ينيب، في نهاية المطاف، المرشح الحائز العدد الأكبر من الأصوات أياً يكن عدد الأصوات، بالعشرات حتى.

لم يكن الانتخاب الفرعي في طرابلس معركة سياسية، ولم يخضها أي من زعماء المدينة على أنها كذلك. وهو ما برّر انضمام أقطابها الحاليين (الرئيس نجيب ميقاتي والوزيرين السابقين محمد الصفدي وأشرف ريفي) إلى رئيس الحكومة سعد الحريري، الصيداوي، وإلى مرشحته البيروتية. صحّ الأمر كذلك على الوزير السابق فيصل كرامي الذي اختار المقاطعة.
في خلاصة دلالات الانتخاب الفرعي بضع ملاحظات:
أولها، شأن ما آلت إليه انتخابات 2018 في بيروت، بأن أكدت لرئيس الحكومة أنه الأول فيها، لكنه ليس زعيمها الوحيد، وكذلك فعلت صيدا والبقاع الغربي، أتى الانتخاب الفرعي في طرابلس على غرار انتخابات 2018 يكرر له أنه أحد زعمائها. الأول في المدينة الثانية. بيد أنه الآن، في الانتخاب الفرعي، الأول بفضل حلفائه لا في مواجهتهم. في مقابل هذا الائتلاف، كرّس الحريري اعترافه بهم شركاءه واحداً واحداً. لكل منهم حصة في إعادة انتخاب ديما جمالي. مع كل الثقل السياسي الذي زوّدوه إياه، لم يمنحوه الأصوات التي طلبها. بذلك استمد الانتخاب الفرعي مغزاه من هذا الائتلاف لا من نتائج الاقتراع.
ثانيها، رغم الحجة التي تسلح بها تيار المستقبل وأفرقاء طرابلسيون آخرون للقول بافتقار الانتخاب الفرعي إلى جاذبية الاستقطاب، شأن الانتخابات العامة، إلا أن أكثر من استحقاق فرعي أعطى دليلاً معاكساً، بتحميله أهمية كادت توازي الانتخابات العامة متى خيض الانتخاب الفرعي بمنافسة جدية.
لعل الانتخابين الفرعيين عامي 2002 و2007، للمفارقة في الدائرة نفسها، المتن، أسطع مثالين على جعل المواجهة في انتخاب فرعي في حجم معركة سياسية وطنية.
الانتخاب الفرعي عام 2002 في الأصل داخل العائلة الواحدة، حينما تنافس غبريال المر مع ميرنا المر ابنة شقيقه النائب ميشال المر وشقيقة وزير الداخلية إلياس المر. فإذا منافسة أهل البيت الواحد أفضت إلى مواجهة مباشرة بين فريق قرنة شهوان والسلطة ومن وراء هذه سوريا، وعُدّت نتيجة الانتخاب تغليب أحد هذين الفريقين على الآخر. حينذاك قصد النائب فارس سعيد رئيس المجلس نبيه برّي، وأخطره بتوقع استقالة 7 نواب في قرنة شهوان ما لم يصر إلى تأكيد فوز غبريال المر. انتهى الأمر بإعلان وزير الداخلية فوز عمّه. سارعت شقيقته المرشحة الخاسرة ميرنا المر إلى الطعن في نيابته لدى المجلس الدستوري، فأصدر قراراً فريداً من نوعه وقتذاك، قضى بإبطال نيابة غبريال دونما إعلان فوز ميرنا، وعدّ ثالثهما غسان مخيبر بالأصوات القليلة التي حازها نائباً. مثّل الانتخاب الفرعي، في ظل وجود سوريا في لبنان وفي ذروة نفوذها في عهد الرئيس إميل لحود، مواجهة سياسية غير مسبوقة أحالت التنافس على مقعد نيابي إلى صراع في حجم خيارات وطنية، استراتيجية كبرى حتى.

في انتخابي 2002 و2007 تحوّل التنافس على مقعد إلى معركة سياسية


لم يكن الانتخاب الفرعي الآخر عام 2007 أقل أهمية، مذ اتخذ منذ اللحظة الأولى بُعد الاشتباك السياسي بين فريقي 8 و14 آذار، استكمالاً لانتخابات 2005. ترشّح الرئيس أمين الجميّل لخلافة نجله النائب والوزير الشهيد بيار الجميّل، فنافسه كميل خوري مرشّح الرئيس ميشال عون. للفور انتقل التنافس بين مرشحي حزبين إلى صراع بين فريقي 8 و14 آذار اللذين يدعمان كليهما. في ذلك الوقت كان عون قد أضحى حليفاً لحزب الله لسنة خلت، بينما وقفت قوى 14 آذار وراء الرئيس السابق للجمهورية لاستعادة مقعدها منذ انتخابات 2005. شأن استحقاق 2002 طبع الانتخاب الفرعي صراع على الخيارات السياسية والوطنية.
ثالثها، لم يكن صراع تلك الخيارات بين الفريقين الرئيسيين المتنافسين، وحده الدلالة السياسية، ولا اقتصر عليها بلا مغازٍ حسابية مهمة. بل تمكّن الطرفان من إحاطة كلا الاستحقاقين بأوسع غطاء شعبي انخرط بدوره في المواجهة السياسية، كجزء لا يتجزأ منها أكثر منه الاقتراع في صناديق: لم يخلُ استحقاق 2002 من إبراز النزاع مع سوريا أكثر منه لحود ورجالات عهده، بينما التصويب في استحقاق 2007 كان على حزب الله كما سوريا في معرض خوض معركة موازية هي المحكمة الدولية.
في الانتخاب الفرعي عام 2002 بلغت نسبة المشاركة 46%، فيما كانت 47,5% في الانتخابات العامة عام 2000. القياس نفسه في الانتخاب الفرعي عام 2007. بلغت نسبة المشاركة 47,8%، بينما كانت 51,2% في الانتخابات العامة عام 2005.