عاد الحديث، بقوة، عن فصل التشريع بين معلّمي القطاعين الرسمي والخاص، من باب اقتراح قانون حمله وزير الخارجية جبران باسيل إلى مجلس الوزراء. المشروع ليس جديداً. إذ سعت إدارات المدارس الخاصة الى إقراره بعيد صدور قانون سلسلة الرتب والرواتب، تحت ستار مصلحة الأهالي العاجزين عن دفع الأقساط.

في الواقع، تعمل غالبية المدارس بالتوافق مع أركان السلطة التي تدّعي محاربة الفساد، للخروج من حيّز الاتهام بفسادها وجنيها أموالاً طائلة بشكل غير قانوني من خلال إلغاء أو تعطيل القانون 515/96 الناظم لموازنات المدارس الخاصة، والذي لم يُطبّق إلا شكلاً، وتحرير المدارس الخاصة من أيّ وصاية أو رقابة لوزارة التربية ولجان الأهل. بذلك، يكون فصل التشريع استمراراً للصراع التاريخي بين الدولة المدنية والسلطة الدينية على النفوذ في القطاع التعليمي. فكل طائفة أو إيديولوجيا تسعى للتحرر من فكرة وصاية الدولة والمفاهيم المدنية والمواطنية بتعزيز سلطتها واستقلالها عن مؤسسات الدولة، والسعي إلى الربح. وكل ما في الأمر أن السلطة الحالية رضخت للمؤسسات التربوية الخاصة التي تصل أرباحها غير المشروعة إلى مليارات من الدولارات سنوياً، وهي أرباح ممولة من خزينة الدولة ومن الأفراد والأهالي والصناديق المستقلة للموظفين والعسكر.

تحرير عقود معلمي المدارس الخاصة
اقتراح القانون، كما هو مطروح حالياً، ينص على تعديل أحكام المادة 20 من قانون 15/6/1956 لجهة خضوع رواتب المعلمين ابتداء من العام الدراسي 2019 - 2020 لعقود عمل جماعية يتم تنظيمها بالتوافق بين اتحاد المؤسسات التربوية في لبنان ونقابة المعلمين في المدارس الخاصة، وبالتعاون مع وزارة التربية. وهذا يعني أنّ المعلمين سيخسرون الاستقرار الوظيفي، وسيتحولون إلى متعاقدين بالساعة، وستكون كل تقديمات صناديق التعويضات والتعاضد والحدّ الأدنى للراتب تحت رحمة الإدارة والعقد الجماعي المبرم، ويكون أي معلم ملزماً بالعقد حتى لو كان غير مناسب له.

وداعاً للرقابة!
قد يهلّل بعض أولياء الأمور للمشروع من دون دراسة تأثير ذلك على أقساط أولادهم المدارس وعلى نوعية التعليم. فتحرير العقود سيلغي حتماً مفاعيل القانون 515 الخاص بتنظيم الموازنة المدرسية، باعتبار أنّ 65% من الموازنة تقوم على رواتب الهيئة التعليمية والإدارية والتقديمات من ضمان وصندوق تعويضات وصرف وساعات إضافية وغيره، وسيحلّ العقد والأجر على الساعة مكان القانون. وبالتالي، فإنّ القانون 515 سيتعطل، وسيطلق العنان للمدارس الخاصة لتحديد الأقساط، ما قد يؤدي إلى ارتفاعها، وستنتفي الحاجة إلى تقديم الموازنة إلى وزارة التربية، وسيخسر الأهالي حقّ الرقابة على الموازنة المدرسية، كما ستخسر الوزارة هذا الحق. فالعقد الحرّ المبرم مع كل معلم على حدة، ولو تحت غطاء العقد الجماعي، هو عقد يكتسب صفة السريّة ولا يحق للأهالي أو الوزارة الاطلاع عليه، بخلاف السلسلة المحددة بسلم أجور بحسب الأقدمية والكفاءة. ففي العقد الحرّ يمكن أن يكون العقد بقيمة مليون ليرة، ولكنه مسجل في الموازنة بـ 3 ملايين ليرة من دون أن تكون هناك امكانية لمعرفة ذلك.

التأثير على الأقساط
يوحي الفصل التشريعي بأن الموازنة المدرسية ستنخفض كون الرواتب الشهرية ستتحوّل أجورًا على الساعة، وبالتالي لن يتقاضى المعلمون أجورهم عن أيام الأعطال والصيف ولن يكون لهم صندوق تعويضات أو ضمان أو نقل و لا منح تعليم... قد يكون بعض هذا الكلام صحيحاً في السنة الأولى بعد إقرار القانون، ولكن مع الوفر الذي سيحققه الأهالي في الأقساط هل يدركون أن الربح غير المشروع للمدارس سيتضاعف؟ فقد ينخفض بند الرواتب الى الثلث تقريبًا (من 5 مليارات ليرة إلى مليارين على سبيل المثال) لكنه سيبقى مسجلاً في الموازنة 4 مليارات، أي بربح غير مشروع يبلغ ملياري ليرة في غياب أي سلطة رقابة على العقود والرواتب. ومع تعطل القانون 515، ستكون المصاريف الإدارية مفتوحة ولا سقف لها. وكما أسلفنا، قد تنطبق هذه المعادلة على السنة الأولى فحسب، لأن المدرسة في السنة التالية ستقيل تباعًا المعلمين ذوي الخبرة والأجور العالية وتستبدلهم بمعلمين آخرين ربما أقل خبرة وكفاءة بأجور أقلّ.

التأثير على المعلمين
لا شكّ أن فرص العمل في لبنان محدودة. ومع فصل التشريع سينتقل إلى البطالة ما لا يقل عن 30% من المعلمين المخضرمين ذوي الكفاءة ويتم استبدالهم بالشباب. إذ أن رهان هذه المؤسسات ذات النهج الربحي هو على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الضاغط والعرض والطلب. علماً أن عامل الإستقرار الوظيفي أساسي في خيار المهنة. فكلّ طالب جامعي، قبل إختياره لإختصاصه، يفكر بالإستقرار الوظيفي، وكونه لن يجده في وظيفة القطاع العام ولا الخاص سيفكر حتماً بالهجرة. فما هي خيارات المعلمين ذوي الكفاءة والخبرة؟ وكيف سيؤمن هؤلاء دخلاً لائقًا لعائلاتهم وهل سيعملون ساعات إضافية في التعليم وكيف سيؤمنون دخلاً لإعالة عائلاتهم خلال أشهر الصيف؟
بهذا، يمكن الاستنتاج أن خريجي إختصاص التربية والتعليم من الجامعات لن يكافأوا بوظيفة ذات راتب لائق، وستكون مجالاتهم أما التعاقد مع القطاع العام أو الخاص، وستنحسر رغبة الإنتساب الى هذه الإختصاصات، لأن راتب 20 مليون ليرة في السنة لا يكفي لحياة لائقة.

الالتفاف على المحاسبة
من الواضح أنّ الهدف غير المعلن لمشروع فصل التشريع هو الالتفاف على أي محاسبة قضائية أو مالية للمؤسسات التربوية الفاسدة التي تقاضت أموالا غير مشروعة من الأهالي تفوق كل تصور منذ العام 2011 ـ 2012 تحت مسميات مختلفة مثل «سلفة على أي زيادة مرتقبة» والتجديد والتطوير وغيرها. هذا الاقتراح، باختصار، هو هروب إلى الأمام بقانون يعطّل القانون 515 وكل آليات الرقابة لتفادي أي محاسبة قضائية ومالية.

*باحث في التربية والفنون، عضو لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة