تطرح انتفاضة العسكريين المتقاعدين في وجه التخفيضات التي قد تطاول أفراد المؤسسات الأمنية، الذين أعطوا وجهة نظرهم، ضرورة التوقف عند سلسلة اعتبارات من وجهة نظر مختلفة.

هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها التعامل ــ مالياً ــ مع الجيش من قِبَل طرف سياسي موالٍ للمؤسسة العسكرية تاريخاً. بصرف النظر عن الخلافات داخل البيت الواحد، كما قال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وخلفية المواقف من التخفيضات، فإن التعرض لأموال الجيش كان عادة يأتي من جانب الرئيس الراحل رفيق الحريري، قبل أن تتوزع القوى الأمنية بين الأطراف السياسيين. اليوم، في ظل قيادة للجيش محسوبة على رئيس الجمهورية، ووزارة الدفاع التي طالب بها رئيس التيار الوطني الحر (يمكن تخيل الوضع لو كانت القوات اللبنانية أو غيرها مثلاً على رأس وزارة الدفاع في هذه المرحلة)، تأخذ مقاربة هذا الجانب المالي أبعاداً مختلفة، بدليل أن المعترضين تريثوا في التحرك حتى تنجلي الصورة الداخلية تماماً. ورغم أن رئيس الجمهورية كرر أن لا مسّ برواتب الجيش، إلا أن ما يحصل من تباينات وتسريبات تتحدث عن مصاريف وهدر في المؤسسة، وضرورة إجراء تقشف في قطاعات حيوية فيها، تعكس في جانب منها التجاذب الداخلي حول الجيش.
ولا يمكن عزل ما يحكى عن هدر في مصاريف الجيش عن المراقبة الغربية لسلوكياته، ولا سيما أن دولاً غربية، في مقدمها الولايات المتحدة، تقدم دعماً كبيراً له. فموازنة الجيش عادة ليست رواتب فحسب، وأهميتها تكمن في تدريباته وآلياته وأسلحته وتجهيزاته، وهذا ما يُقدَّم في معظمه على شكل هبات ومساعدات ولا تتحمل الدولة مسؤوليته. في حين أن دوائر غربية على صلة وثيقة بالجيش، وهي تعرف تماماً مكامن الهدر في لبنان، أبدت أكثر من مرة ملاحظات على أسلوب عيش عدد لا بأس به من أفراد المؤسسات العسكرية، بخلاف الضباط الغربيين، ومنهم من يدرب الضباط اللبنانيين.
للمرة الأولى أيضاً تثير التجاذبات حول رواتب العسكريين، انقساماً في الرأي العام، على هذا النحو. عادة، أي كلام عن رواتب العسكر، إلى أي فئة انتموا، كانت من المحرمات، والقوى السياسية والشعبية كانت تتفاداه احتراماً لشهادة العسكريين والضباط، ولدور المؤسسات العسكرية والأمنية. لكن الاعتراف بالتضحيات، لم يمنع حالياً طرح بعض الملاحظات وضرورة نزع الهالة التي تمنع التعامل بموضوعية مع أي ثغرات في رواتب الأسلاك العسكرية.
فالكلام عن أحقية المطالب لا يمنع القول إن سلوكيات أخيرة، بعدما تضافرت جهود المتقاعدين (بدعم مباشر من قيادات المؤسسات الأمنية) وهم ينتمون إلى تيارات سياسية متنافرة، لم تلامس كثيراً الوجدان الشعبي. لأن الأزمة الاقتصادية الحالية، والتخفيضات أو التدابير المقترحة تطاول الشرائح الاجتماعية المتضررة مثلها مثل العسكريين، وقد يكون أكثر. وارتداد تدابير الموازنة ستشملها رغم أنها لم تحصل على أي زيادة على رواتبها من ضمن سلسلة الرتب والرواتب. وسلوكيات بعض المتظاهرين ومن يحركهم، تنسف كل الهالة التي يراد أن تسبغ على المؤسسات الأمنية، بحيث يمنع أي انتقاد لها.
الأكيد أن هناك لغطاً يتعلق بالتعويضات تتعلق بالصندوق الذي يفترض أن تصبّ فيه النسبة المقتطعة من الرواتب طوال سنوات الخدمة، لتأمين التعويضات. وهو اليوم «ضائع»، بالمعنى الحرفي للكلمة، لأن المال المقتطع يفترض أن يحفظ أو يستثمر، لا أن يذهب إلى تسديد عجز ما أو تغطية نفقات. أي إن التعويضات جزء لا يتجزأ من رواتب العسكريين، ولا تتحملها الخزينة. لكن بقدر حق العسكريين الذين تقتطع من رواتبهم جملة مصاريف، إلا أن ذلك لا يعني عدم الاعتراف بوجود حالة رخاء تسيطر على بعض أو كثير من أفراد المؤسسات الأمنية، وأن هناك تمييزاً بين عناصر الأسلاك العسكرية والتقديمات التي تعطى لهم، كما أن هناك تمييزاً بين رواتب العسكريين كأفراد ورواتب الضباط. وإذا كان ذلك طبيعياً نتيجة التراتبية، إلا أن الفارق كبير في التعويضات والحالة الاجتماعية التي تميز بين الأفراد والضباط الذين باتوا يكونون «طبقة مستقلة»، بسبب التقديمات الممنوحة لهم ولعائلاتهم في مدارس وجامعات خاصة واستشفاء ونوادٍ، والتسهيلات التي تعطى لهم لشراء شقق سكنية وسيارات لأبنائهم، إضافة إلى مكتسبات وحظوات بفعل الواقع الوظيفي، فضلاً عن تعويضات «خيالية» (بدليل مسارعة ضباط إلى تقديم استقالتهم قبل سريان التخفيضات) قياساً بباقي اللبنانيين. وهذا الفارق يسمح بالسؤال عن المئة ألف ليرة التي تحسم من راتب عسكري، وخفض أجرة النقل وحسومات أخرى، وهي تؤثر في موازنته الشهرية أكثر بكثير من حسم النسبة المئوية نفسها من راتب الضابط، القادة منهم تحديداً. علماً أن خفض رواتب العسكريين أو مخصصاتهم سيؤدي حكماً إلى تراجع نسبة الذين ينضمون إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية، ولا سيما من المسيحيين، الذين كانت تجري محاولات لحثّهم على الالتحاق بها، وتأمين التوازن فيها، تحت وطأة الإغراء بالخدمات والتعويضات.
وعلى هامش الكلام أيضاً عن تخفيضات، جرى الحديث عن أمرين: أولاً سحب الجيش من الشارع، وإيكال مهماته الداخلية إلى قوى الأمن الداخلي، ودرس تدابير في بعض المؤسسات الأمنية لحصر خدمة العناصر في أماكن قريبة من سكنهم. في النقطة الأولى، ليست المرة التي يطرح فيها الجيش هذا الأمر، (تخفيفاً للأعباء عنه) وهو أمر ضروري، ويفترض اللجوء إليه، لأن حفظ الأمن الداخلي ليس من مهماته. وزارة الداخلية حتى الآن رفضت لعدم قدرتها على توفير العدد اللازم لحلول محل القطع العسكرية. أما وجهة نظر الجيش، فتعتبر أن قوى الأمن، كما حققت نجاحاً في فرع المعلومات، يمكنها أن تفعل الأمر نفسه مع القطع الأخرى لنقل مهمة حفظ الأمن الداخلي إلى يديها، بدل طلب المؤازرة دوماً من الجيش في عمليات داخلية.
أما النقطة الأخيرة، وهي أن البحث في تخفيف الأعباء عن العسكريين (في حال خفض تعويضاتهم) من خلال إبقائهم في مناطق سكنهم، فيضرب نقطة أساسية تقوم عليها المؤسسات الأمنية، هي اندماج العناصر مع كل المكونات ومعرفتهم بكامل المناطق. إضافة إلى أن إبقاء العسكريين في محافظاتهم يعني أن هؤلاء سيكونون عرضة للانتماء أكثر إلى عائلاتهم وزعاماتهم، ما يسمح بتدخلات وغضّ نظر عن مخالفات.