على جدارية بيضاء ضخمة، عُلّقت أسماء شهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول)، داخل قاعة «سينما الكونكورد»، حيث نظّم الحزب الشيوعي أمس احتفالاً بمناسبة يوم الشهيد، وذكرى استشهاد أمينه العام السابق جورج حاوي. «ما شاء الله»، همس الوزير محمود قماطي للنائب أسامة سعد، والأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب، وهو يتصفح الأسماء. فهؤلاء «نجومٌ حمراء» ــــ كما وصفهم غريب ــــ أتوا من كلّ لبنان، ليكونوا جزءاً من المقاومين الأوائل ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، ويرتقوا دفاعاً عن كرامة بلدٍ وعزّته. استحقوا أن يقف الحضور، القليل نسبياً الذي أتى يُشارك في الاحتفال، دقيقة تصفيقٍ عن روحهم. والمناسبة، لم تكن لتكتمل من دون توجيه التحية، إلى الشهداء المقاومين: جمال ساطي، إياد قصير، ميشال صليبا، الياس حرب، فرج الله فوعاني، حسام حجازي، يحيى الخالد، حسن موسى وحسن ضاهر، الذين لا يزال العدو يحتجز جثامينهم لديه.

إلى جانب «الشيوعي»، وقف أمس من يُشبهه، سواء في العقيدة السياسية، أو في السياسة الداخلية، أو في خيار المُقاومة. «الحليف الأول»، أسامة سعد حضر مع وفدٍ من التنظيم الشعبي الناصري. حزب الله أيضاً كان حاضراً، وممثلو الفصائل الفلسطينية. وجرى الترحيب بممثلي الأحزاب الشيوعية العربية. أما رسمياً، فقد نُظّم الاحتفال السياسي، بوجود ممثل عن الرئيس ميشال عون، وعدد من السياسيين والأمنيين.
ثلاث كلمات أُلقيت أمس، بدايتها كانت مع الأحزاب الشيوعية العربية، ألقاها عضو المكتب السياسي والناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي السوداني فتحي الفضل، فأكد أنّ «شعبنا صامد وثابت على مواقفه في مواجهة المجلس العسكري، يُطالب بتسليم السلطة لقوى الحرية والتغيير. إنّ انتفاضتنا مُحصّنة بالوعي والخبرة التاريخية النضالية لحزبنا، وهي قادرة على مواصلة نضالها السلمي بفضل إصرارها على هذا النهج دفاعاً عن الوطن وحرصاً على عدم تكرار التجارب الفاشلة».
ثمّ ألقت نارا جورج حاوي كلمة عائلتها، فمزجت ما بين «شاعرية المناسبة»، والرسائل السياسية الوطنية والحزبية. قالت إنّه «لا بُدّ من أن نتمسك، نحن الشيوعيين، بتلك الأهداف السامية التي جسدتها الاشتراكية في أذهان الناس. ولا بد لنا من أن ننغمس في ورشة نقاش تسهم بالخروج من المأزق الذي نعيشه منذ أربعة عقود»، طارحةً عدداً من الأسئلة، أبرزها: «هل استطاع ورثة الماركسية العمل بهداها، أم أنها أصبحت ديناً عند البعض؟ هل فتحنا كشيوعيين عرباً ولبنانيين، نقاشاً مع القوى الأخرى الموجودة على الأرض بكل اتجاهاتها، أو المثقفين أو الإعلاميين أو الصناعيين أو صغار المنتجين، لنستكشف القواسم المشتركة بيننا وبينهم للعمل عليها؟ هل فلسطين قضية أمة أم وطن؟». ودعت حاوي، أمام تفكك البلدان و«صفقة القرن»، إلى استنهاض القوى «حتى لا تذهب دماء الشهداء هدراً». وقبل أشهرٍ من انعقاد المؤتمر الـ 12 لـ«الشيوعي»، رأت حاوي أنّ «أمامنا تحديات كبيرة، والمناضل الحقيقي يجب أن يُحسن السمع، وأن يُتقن الإصغاء، وأن يهتم بأدنى انتقاد. على الحزب أن يطور نفسه ويُجدّد ذاته ليكون على مستوى المهمة. نعدك يا أبا أنيس، ورفاقك، بأن لا مكان للانتهازيين في صفوف حزبنا».
كلمة الختام كانت لحنا غريب، الأمين العام لحزبٍ مسيرته «مُضرجة بدم الشهادة». وجّه التحية إلى الشهداء والأسرى والثوار في الدول العربية، مُطالباً باسترجاع «جثامين شهدائنا المقاومين المحتجزة لدى العدو الصهيوني. المشهد المخزي الذي وصلنا إليه في أن تعود جثة القتيل الصهيوني إلى العدو، وتبقى جثامين المقاومين معه. نسأل اليوم، هل هؤلاء لبنانيون أم لا؟ ماذا فعلت الحكومة اللبنانية تجاه قضيتهم، بعدما رفعناها إلى وزير الخارجية، وتابعناها مراراً وتكراراً منذ زمن بعيد. فلماذا لا تضغطون من أجل حل هذه القضية، في حين يجري الاستقتال لإعادة المتعاونين مع العدو؟». السؤال نفسه، طرحه غريب حول قضية المناضل المعتقل في فرنسا جورج ابراهيم عبد الله، «هل هو لبناني أم لا؟ لماذا تُهمل الحكومة هذه القضية؟ بدل أن تتحرك وتضغط للإفراج عنه، تكتفي بالسؤال والزيارة. المطلوب أن تتحمّل الدولة مسؤولية الإفراج عن جورج عبد الله. ونناشد رئيس الجمهورية، كما طالب بالإفراج عن نزار زكا، أن يُطالب بالإفراج عن جورج».

طالب «الشيوعي» باسترداد جثامين تسعة مقاومين لا تزال لدى العدو


في القضية الكبرى، قال غريب إنّ «معظم الأحداث والتطورات التي شهدتها منطقتنا في العقدين المنصرمين، تندرج في سياق المسار الاستراتيجي الطويل الأجل، المحكوم بتحالف وثيق بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والرجعية العربية»، وتمثلت من خلال «اعتداءات العدو، التآمر على الانتفاضات العربية، التوظيف في الحركات الأصولية، تحويل الصراع الأساسي في المنطقة إلى حقلٍ لكلّ أشكال الصراعات المذهبية، بما فيها الصراع بين العرب وإيران بهدف إسقاط الأنظمة التي ليست جزءاً منها والسيطرة على مقدراتها». يعتقد الأمين العام أنّ «التصعيد من قبل الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني، ليس إلا جزءاً من التصعيد الشامل دولياً، ويعكس تفاقم أزمات الرأسمالية وعجزها عن تنفيذ مشاريعها، بفعل الضربات التي تتعرض لها، وفشلها في إسقاط الأنظمة حيث أرادت: سوريا، فنزويلا، كوبا، كوريا الشمالية، إيران...». وأكد غريب أنّه لا بديل لمواجهة المشروع المتجسد اليوم بما يُسمّى «صفقة القرن»، من «مشروع المقاومة. مقاومة للتحرير والتغيير في آنٍ معاً. مقاومة عربية شاملة للتحرر الوطني، تمارس كلّ أشكال النضال ضدّ العدو الصهيوني، والنهب الإمبريالي، والاستغلال الطبقي للأنظمة المحلية. ولعل في ما نشهده اليوم من صمود للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، ضد ورشة البحرين، عليه نبني ونعمل من أجل تعميق الوحدة الوطنية على أساس خيار المقاومة». والتطورات في السودان، تشكّل بالنسبة إلى الشيوعي اللبناني، «نمطاً جديداً من الانتفاضات، بفضل دور اليسار والحزب الشيوعي السوداني في الثورة، والالتزام بالشعارات، ما يشكل حافزاً لنا للإقدام وعدم التردد في اقتحام المشهد السياسي وتقديم كلّ أشكال المساعدة. لبنان ليس بمنأى عما يجري. سماؤه ومياهه مستباحتان، أرضه عرضة في كل لحظة للعدوان».
وفي ما خصّ العمالة الأجنبية، وملف النزوح السوري، أدان غريب القوى التي تتمادى «في تسييس ذلك، بما يُصبغ طابع العنصرية على خطابها وممارساتها»، مؤكداً على ضرورة فتح التنسيق والتعاون بين الحكومتين اللبنانية والسورية، لتأمين العودة الآمنة للنازحين وتنظيمها». وبالنسبة إلى الموازنة، فما يجري حولها يتعدّى الأرقام، وصولاً إلى «تحقيق أهداف سياسية الطابع، من خلال وضع لبنان أمام إما المزيد من الضغوط والعقوبات وعدم استخراج النفظ والغاز وفرض التوطين وضرب المقاومة، وإما انتظامه في الخط السياسي المطلوب أميركياً والتفاوض مع الكيان الصهيوني. للأسف، بدل أن يقف من هم ضد صفقة القرن، ضد موازنة سيدر، البعض منهم يتسابق إلى زيادة الضرائب، بحجة تخفيض عجز الموازنة». وكانت مناسبة ليدين الحزب الشيوعي «الإجراءات الضريبية، ونُطالب برفض تلك التي تطاول الأجور، والسلع المستوردة، والإجراءات العقابية ضد موظفي الدولة ومؤسساتها، وخفض موازنة مؤسسات أساسية كالجامعة اللبنانية، معلنين وقوفنا إلى جانب كل القطاعات التي تتحرك في الشارع». وختم غريب بأنّ المدخل إلى الإصلاح يكون عبر السعي إلى «بناء الدولة الديموقراطية... قضيتنا قضية إنقاذ الشعب والوطن، وليست مطلبية تخص هذا القطاع أو ذاك».