ينقل أكثر من سياسي وأمني لبناني مزاجاً مشتركاً عن جلساتهم مع النائب السابق وليد جنبلاط، وعلى مراحل تاريخية. روايات متعدّدة في الظاهر، لكن مطابقة في المعنى. يقول أحدهم إن جنبلاط قد يبدأ اللقاء بسؤال حول فلسفة الوجود، ثمّ عن الصّراع بين الدول الكبرى للسيطرة على الفضاء، ثم عن اضطهاد الروهينغا ووباء إيبولا في إفريقيا، وينتهي طالباً المساعدة لتعيين قاضٍ، أو حتى حاجب ومأمور أحراج. أو قد يقوم بالعكس، يُسقط لبنانية مزارع شبعا في تصريح، احتجاجاً على موقف حزب الله من مشكلة عين دارة. وهنا، تحديداً، كان مفاجئاً استغراب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي انتقال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله خلال مقابلته على شاشة المنار قبل يومين، من هزّ وجدان الدولة اليهودية العميقة، إلى تناول تفصيل لبناني صغير. المعنى من عين دارة بالنسبة لقائد المقاومة أن شخصاً مثل جنبلاط لا يُقدّر الإيجابية التي يتعامل حزب الله معه منذ 14 عاماً على الأقل رغم الطعنات، وأنه مستعدٌ للتلويح بورقة واهية هي «نزع الشرعية» عن سلاح المقاومة، لأجل حفنة من المال من «خوّة» في معمل.

الآن، لا يمكن لجنبلاط أن يبني على خطاب نصرالله، العصبيّة التي بدأها بعد 2005 عند الجنبلاطيين، وحاول تعويمها عند عموم الدروز في لبنان للعداء مع حزب الله وسوريا، بحجّة أن المقاومة تستهدف الطائفة. فالمسؤول الأول والأخير عن العلاقة المترديّة للحزب الاشتراكي والحالة الجنبلاطية مع حزب الله هو وليد جنبلاط. حتى الرئيس نبيه برّي، الذي يترك دائماً سُلَّماً خلف باب عين التينة، يستلّه كلّما احتاج صديقه اللدود النزول عن الشجرة، لم يبلع انحداره حدّ المسّ بلبنانية المزارع.
منذ 2005، لعب جنبلاط أدواراً مؤذية ضد مشروع المقاومة في المنطقة، على حجمه. صوّب مباشرةً على السلاح وفتح «البازار»، وتعمّد التوجّه بالكلام القاسي للأمين العام لحزب الله، محاولاً نزع الهالة الوطنية عن هذه الشخصية، بعد وصلة السباب التي قدّمها بحقّ الرئيس بشار الأسد في 14 آذار 2005.
على الحلف الرباعي، ردّ جنبلاط بقرارات جلسة 5 أيار المشؤومة لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة ثمّ بحمل السلاح ضد المقاومة. وعلى الصفحة الجديدة في انعطافة 2 آب 2009، اكمل اتهام المقاومة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم طعن في وساطة نصرالله وضمانته مع الأسد، وعاد للرهان على سقوط سوريا منتصف العام 2011. إلّا أن جنبلاط أخيراً، توّج إصرار حزب الله على إرضائه في قانون الانتخابات، مع الرئيس نبيه بري طبعاً، والإبقاء على قضائي عاليه والشوف دائرة إنتخابية واحدة... بمزارع شبعا! حتى أنه، على توتّره في كلامه بعد زيارته الرئيس سعد الحريري أوّل من أمس، صوب على المعاون السياسي لحزب الله الحاج حسين الخليل ومسؤول لجنة الارتباط والتنسيق في الحزب الحاج وفيق صفا في ملفّ عين دارة. وهما بالمناسبة، أكثر الحريصين على إصلاح العلاقة مع جنبلاط من بين شخصيات حزب الله، التي يشعر غالبيتها باليأس منه. يكفي أن حلفاء حزب الله، داخل الطائفة الدرزية، لطالما أخذوا على الحزب «تدليعه» لجنبلاط، كما أخذوا على سوريا تعويمها له على حساب الجميع قبل 2005.
هذا الطعن المستمر بحزب الله من دون مبرّر، يوازيه سلوك أشدّ عدوانية تجاه سوريا، (التي كانت ولا تزال تميّز بين جنبلاط والجنبلاطيين، وبين الزعيم الإقطاعي والمؤسسة الدينية والاجتماعية الدرزية العميقة في لبنان)، منذ التآمر مع عبد الحليم خدّام وآخرين ضد الأسد الابن، حتى رفد العصابات التقسيمية في السويداء بالمال والسلاح والدعم الإقليمي.
ما معنى أن يقول جنبلاط للسيّد نصرالله أنه معه في فلسطين فحسب؟ مع فلسطين وضد سوريا؟ إذا كان الفلسطينيون، بكامل فصائلهم، من الرئيس محمود عبّاس إلى حركة حماس بقيادتها الجديدة، مع سوريا، لإدراكهم موقعها ودورها وطليعية موقفها في الصراع، فما هو مبرّر جنبلاط لاستمرار التحريض ضدّها؟ تُرى، هل غصّ جنبلاط حين سمع نصرالله يقول إن دماء الجيش العربي السوري وصمود سوريا أسقطا «صفقة القرن»؟
لا يبدو أن حزب الله في وارد التراشق في الردود مع جنبلاط، في تعليقه على مقابلة نصرالله. وليس واضحاً بعد، الاتجاه الذي قد تسلكه العلاقة في المقبل من الأيام بين الحزبين. المُلحّ حالياً عند الحزب، هو أن تأخذ العدالة مجراها في حادثة البساتين، وأن يعود الجبل إلى الاستقرار.
لكن هذا لا يعني أن النقاش داخل طائفة الموحدين الدروز في لبنان، حول خيارات الجزء الأكبر من الطائفة في ظلّ التحولات الإقليمية، يجب أن يبقى مربوطاً بمزاجية جنبلاط وتقلّباته وحسابات الزعامة، وسط انكفاء كبير لمجموعة من أصحاب الاختصاص والشخصيات العامة والمؤسسة الدينية في داخل البيئة الجنبلاطية، عن التعبير عن هواجسها وأسئلة الطائفة الوجودية. فالإفرازات العملية لـ«صفقة القرن» وخيارات مواجهتها تتبلور شيئاً فشيئاً، والموقع الطبيعي للدروز اللبنانيين هو على طرفٍ نقيضٍ للصفقة. فكيف يمكن التوفيق بين الموقف الوطني في خندق العداء لإسرائيل والعداء لأبرز مكوّنين في فريق المواجهة التاريخية، حزب الله وسوريا؟ والتجربة أثبتت، أن فكّ جنبلاط التحالف مع سوريا، نقل تأثير الدروز في لبنان من الموقع إلى الدور.

لم يتبلور موقف واضح عند حزب الله بعد من مستقبل العلاقة مع جنبلاط


وكما نقاش الخارج، صارت الأسئلة ملحّة في الداخل، بعد لجوء جنبلاط إلى لعبة الدّم. قبل يومين، ألمح النائب هادي أبو الحسن إلى أمرٍ خطير خلال مقابلة له على تلفزيون «الجديد». قال نائب المتن الأعلى، الهادئ اجمالاً لكن «ابن الحرب» وأبرز الوجوه التنظيمية في الاشتراكي، إن «جنبلاط تعب من ضبط شارعه خلال سنوات». وهذا التصريح، إذا جرت قراءته ضمن سياق خطاب القوّة في الجبل وظهور السلاح وحادثة البساتين، ينبئ بالسلوك المستقبلي للاشتراكي، وتوجيه الرسائل إلى القوى السياسية والدولة، والأهم إلى أبناء الطائفة، عبر تهديد المعارضين وإطلاق يد الموالين لزعامة المختارة. وهنا، أيضاً، تقع المسؤولية على المؤسسة العميقة والشخصيات، للتحرّك وإعادة الصواب إلى الأذهان، وتبريد الرؤوس الحامية. فالدم ليس ترفاً سياسياً، ويجرّ الدم العزيز على طرفي المنافسة، من أجل سلطة، في الوقت الذي تختار فيه الجماعات الأقلية، قادتها على أساس حقن الدم.
وبعد. رئيس الاشتراكي مهموم لأن ابنه، النائب تيمور جنبلاط، لم «يُقَلِّع» على طريق وراثة الزعامة بعد، لأسباب عدة. لكن، هل حقّاً منح جنبلاط ابنه هذه المساحة؟ كيف يمكن لتيمور أن يصير زعيماً من دون موازنة مالية مستقلة للخدمات والمصاريف؟ كيف يمكن أن يظهر بمظهر القائد أمام مريديه، إذا كان مضطّراً لإجابة محدّثه بأن عليه أخذ رأي والده في هذا الملفّ أو ذاك؟ بوجود شخصيّة مثل وليد جنبلاط، ومستشارين يقدّمون امنياتهم بدل الواقع أو يخفون آراءهم الحقيقية، من الصعب على شاب مثل تيمور أن يدرك حدود شخصيته القيادية.
ربّما، لأجل الزعامة، صار خياراً، أن يطيل جنبلاط الأب رحلاته إلى لندن وباريس وصولاً إلى الإقامة هناك، ويترك ابنه يكتشف قدراته ويتحمّل المسؤولية التي أوكلها إليه. لأجل تيمور، ولأجل الدروز، الذين يحتاج الجنبلاطيون منهم إلى ترميم علاقاتهم بحاضنتهم السياسية والتاريخية.