كانوا يقاربون 40 درّاجة نارية على الأقل، على متن كل منها شخص أو اثنان، خرجوا على نحو مفاجئ من أحياء طرابلس الداخلية. ما إن وصلوا إلى تقاطع شارع المدارس في محلة الزاهرية، خلف مركز مالية طرابلس، حتى توقفوا وتوجّهوا إلى حاويات النفايات الحديدية الكبيرة فوضعوها في وسط التقاطع، الذي قطعوه بالكامل، ثم رموها أرضاً تاركين نفاياتها تتبعثر يميناً وشمالاً، على وقع هتافاتهم: «ثورة. ثورة».

تابعوا طريقهم بالأسلوب نفسه، وما إن وصلوا إلى أمام مركز المالية المغلق بسبب الإضرابات والاعتصامات، والذي تجمّع أمامه عدد من المحتجين، حتى رموا حاويات النفايات أرضاً، مكرّرين المشهد ذاته الذي قاموا به قبل دقائق، وعندما اعترضهم أحد مخاتير المحلة، الذي كان مارّاً بالصدفة في المكان، على ما يفعلونه، حاولوا التعرّض له، إلا أن تدخل بعض المحتجين الذين كانوا موجودين أمام مركز المالية حال دون تفاقم الخلاف. أعقب ذلك قيام المحتجين بإزالة النفايات من الشارع بعدما أعادوا رفع الحاويات، قبل أن يعود بعد دقائق قليلة بعض الشبان الذين كانوا على متن الدراجات النارية ليقولوا لهم: «لا تتعبوا أنفسكم، سنعود ونرميها مجدّداً».
هذا المشهد تكرّر نهار أمس في أكثر من شارع ومن تقاطع طرقات في طرابلس، سواء عند تقاطع عزمي، أو في شارع المئتين أو طريق الميناء أو شارع نديم الجسر وغيرها، في تطوّر هو الأول من نوعه منذ اندلاع شرارة الحراك الشعبي في 17 تشرين الأول الماضي، تمثل في تقطيع أوصال المدينة وقطع الطرقات وإغلاق الشوارع فيها، بعدما جرت العادة من قبل أن يقوم المحتجّون بإغلاق مداخل طرابلس مع جوارها، تاركين شوارعها وطرقاتها وأسواقها مفتوحة بشكل طبيعي، باستثناء ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النور) التي أغلق المحتجّون مداخلها الستة منذ أيام الحراك الأولى.

العبث يجري تحت أنظار الأجهزة الأمنية التي تقول إنها بحاجة إلى قرار سياسي للتدخل


تطوّر الأمور على هذا النحو، جعل شوارع طرابلس سائبة أمام بعض العابثين بها، الذين يقومون بترويع المواطنين وتهديد أصحاب المؤسسات والمحال التجارية من أجل إغلاق أبوابهم ومحاولة فرض خوّات عليهم.
وما أثار المخاوف أكثر الإشكالات الفردية التي باتت تحصل بشكل شبه يومي، وخصوصاً بعد الجريمة التي وقعت مساء أول من أمس في محلة أبي سمرا، بين أفراد من آل حسون، لأسباب شخصية، وأدت إلى سقوط قتيل وجريحين، إذ كانت لها ارتدادات في ساحة النور (ساحة عبد الحميد كرامي)، ودفعت بعدد كبير من الموجودين فيها إلى مغادرتها. حتى ليل أمس، لم تُعرف الجهة التي قررت الدخول على خط الاحتجاج في طرابلس، والسعي إلى تحويله إلى مصدر إزعاج لأهالي المدينة. يجري ذلك تحت أنظار الأجهزة الأمنية التي تقول إنها بحاجة إلى قرار سياسي للتدخل!