للبنانيين حكاية خاصة مع الأرقام. لم يخرج، بعد، محلّل نفسي أو عالم اجتماع يشرح السبب الفعلي لهذه المبالغة الدائمة في لغة الارقام: من الـ 12 مليوناً المنتشرين في أصقاع الأرض، الى الملايين المنتشرين في الشوارع، الى الـ 15 مليار دولار التي تكبّدها لبنان جراء حرب تموز، الى الـ800 مليار دولار المسروقة من جيوب الناس، الى دوامة أعداد المشاركين في تظاهرات 8 و 14 آذار... وانتهاءً بأن أحداً ما قرّر أن مليونين من اللبنانيين يتظاهرون في الشوارع. وأي محاولة لأي نقاش علمي، هنا، لا فائدة منها. هناك مليونان ونقطة على السطر!

لم يخرج الجمهور العفوي بجديد عندما رفع الشعار البديهي بطلب استقالة السلطة. وحتى عندما ترد عبارة إسقاط النظام على ألسنة الناس، غالباً ما يكون المقصود إسقاط السلطة الحاكمة، وخروج السياسيين الذين يتولون مناصب رئيسية في هذه السلطة، ليصبح هذا المطلب، في نهاية الأمر، على شاكلة طلب تغيير الحاكم. لكن الغريب هو مسارعة بعض ممن يعرفون ان الوضع يتطلب تغيير النظام كله أو من يسعون الى التناوب على السلطة، إلى وضع الناس في إطار منفصل عن الواقع وموازين القوى على الارض. ولأن اللعبة الافتراضية، هنا، أكثر حضوراً وقوة من أي لعبة أخرى، تتردد منذ مدة عبارة أن مليوني لبناني يتظاهرون في الشوارع.

(هيثم الموسوي)

هناك من يهتم بلعبة الارقام لتحقيق هدف ما. أما المهتم بتحقيق مطالب تتعلّق بتعديل الواقع القائم وتحسين وضع الناس، فلا يمكنه التورّط في هذه اللعبة. لكن، قد يكون مفيداً لفت الانتباه الى أن الناشطين ومسؤولي المجموعات المنخرطة في الحراك لا يجيدون قراءة الارقام، ولا فهم طبيعة التحاق الناس بالتحركات. في الانتخابات البلدية الأخيرة، خلق محتجّون من المنظمات غير الحكومية إطاراً محلياً، وخاضوا انتخابات في مواجهة السلطة، وحقّقوا نتائج كبيرة. لكنهم تفرقوا بعد يوم واحد من فتح صناديق الاقتراع، ولم يحفظوا الاطار الذي كان يمكن تطويره بوجهة قطاعية، لأن التسييس بالمعنى المتعارف عليه لبنانياً، يحتاج الى سياقات تاريخية مختلفة. أساساً، وعلى سبيل المثال، رفض القائمون على مشروع «بيروت مدينتي» انتقاد فكرة «سوليدير»، وهو المشروع الأقذر في تاريخ لبنان، خشية أن يفهم الناخبون الأمر من وجهة سياسية تتعلّق برمزية رفيق الحريري. وكان هدف هؤلاء اجتذاب ناخبين من أناس «اعتبروا مضللين بالتحاقهم بالسلطة بناءً على عصبيات طائفية ومذهبية». والمشكلة الاكبر كانت في اعتبار غالبية اعضاء هذه اللائحة ان هذا التصويت قابل للتجيير سياسياً. لذلك سارعوا، في الانتخابات النيابية، الى البحث عن وسائل استثمار مباشر. وفاتهم ان التصويت المحلي لا يطابق التصويت العام، وهو ما كشفته نتائج الصناديق، إذ فشل هؤلاء في حصد ثلث ما حصدوه في الانتخابات البلدية، عدا عن تشرذمهم بفعل الطموحات المتضاربة لاعضاء هذا الفريق.
اليوم، من يطلق شعار «المليونين» يعتقد أنه بذلك يزرع في أذهان الناس أن نصف الشعب اللبناني، على الاقل، يلتحق بالتحركات الشعبية القائمة. ويعتبر هؤلاء كل اعتراض على أداء السلطة تفويضاً لهم بتوليها. لذلك، يسعون ليكون برنامجهم المعارض قائماً على فكرة قلب السلطة تماماً. وهنا - وهذا ما يجب قوله بصورة واضحة وصريحة، رغب من رغب ورفض من رفض - يفتح الباب أمام تدخلات خارجية تحمل أجندات لا علاقة لها مطلقاً بمطالب الناس.
وقد سبقت الاشارة الى النشاط المحموم للمنظمات غير الحكومية من أجل فرض برنامج قائم على تقديم لائحة شخصيات بديلة للسلطة. وهؤلاء ذهبوا، في المرحلة الاولى، الى رفع شعار اسقاط الحكومة. لكنهم تصرّفوا من موقع ان في إمكانهم تجيير اعتراضات الناس لمصلحتهم. وعندما انتبهوا الى ان الامور لا تجري على هذا النحو، وجدوا أنفسهم أسرى برنامج يحتاج الى خطوات من نوع مختلف. وهنا أصل الحكاية.
من يقل إنه يريد الاصلاح، ولا يثق بفريق الحكم الحالي، فهذا يعني أنه يريد تغييراً كبيراً وشاملاً. وهذا يعني، مباشرة، ان اصحاب هذا الطرح ينشدون إما انقلاباً يطيح السلطة القائمة بالقوة ويأتي بسلطة بديلة منها، وهو أمر غير ممكن (أشير هنا الى مقال الزميل سركيس نعوم في «النهار» أمس في نقاش لما أوردته من نقد للقوى الامنية والعسكرية، وأنا أوافقه الرأي باستحالة الانقلاب العسكري في لبنان. وربما لا يعرف الناس ان للنظام الطائفي فائدة وحيدة، وهي عدم القدرة على قيام حكم ديكتاتوري يتمثل بجهة واحدة، بما فيها الجيش نفسه الذي لم يكن يوماً تعبيراً مغايراً لصورة السلطة).
ما الذي يقيم تحالفاً غريباً بين سلطة ويسار ويمين ضد شربل نحاس؟


وبالتالي، اذا كان الانقلاب غير ممكن، فإن الاصلاح سيكون من خلال تسوية، ولو قسرية، بين فريقين: بين المعترضين والموجودين في الحكم. وهذا يتطلب مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين. وهو أمر مرفوض الآن. ففي واقع الحراك القائم، صار واضحاً أنه ممنوع تشكّل هيئة قيادية تفوّضها غالبية الناس التفاوض وادارة شؤونها. في هذه الحال، سنجد ان من يمنع تشكّل هذه الهيئة، ليس السلطة على الاطلاق، بل من هو صاحب مصلحة في ادارة تفاوض مواز، وعبر قنوات موازية، من اجل صفقات لا علاقة لها بمطالب الناس، بل بمطالب هذه الجهات الساعية فقط الى احتلال مواقع في السلطة لا اكثر ولا اقل!
في هذا السياق، وفي مسح سريع للقوى الناشطة في الشارع، نجد «النادي اليساري» الذي يضمّ مجموعات بينها الحزب الشيوعي بكل فئاته، من القيادة الرسمية الى معارضين لها الى الاتحاد النقابي المعترض على بعض سياسات القيادة الى منشقين او مطرودين من الحزب الى شباب انضووا إلى مجموعات ترفع شعارات مطابقة لشعارات الشيوعيين لكنهم يعتقدون ان الحزب اقل جذرية في المبادرة الى تحقيقها. وبين هؤلاء، مجموعات لا تضمّ أكثر من عشرين شاباً او صبية وأخرى تضمّ المئات، وصولاً الى الآلاف كحالة الحزب الشيوعي. والى جانب هؤلاء جميعاً، هناك تيار من «اليسار المتقاعد»، اي اولئك الذين صاروا يرفضون الاطار الحزبي التقليدي في ادارة القضايا العامة. وهؤلاء يفكرون - عند كل حدث - بالوسيلة الانجع لإبراز حضورهم، تارة عبر النقابات المهنية، وأخرى عبر جمعيات حقوقية، وثالثة عبر منظمات متخصصة، وصولاً الى الاندية المفتوحة. وهم يتكلون على مواقع التواصل الاجتماعي لإطلاق مواقفهم، ويقيمون - عادة - في «عالم افتراضي» لا يمكن تحويله الى واقع مستدام. لذلك يتنقلون من منبر الى آخر عند كل حدث، ومعركتهم المباشرة هي البحث عن مكاسب يعتقدون أنها محقة. وجلّ ما يؤرقهم ليس الخصوم الاساسيين، بل منافسوهم من الشارع نفسه، كما هو ديدنهم، مثلاً، مع ظاهرة نجاح واكيم التي لم ولن يقبلوها، فيما لا يملك الرجل أي إبداع يتيح له التجديد الضروري في بناء حالة شعبية تتجاوز شعارات المرحلة السابقة.

كيف يتجاهل الشيوعيون الهوية الوطنية للأهداف ويقبلون بدور «العتال»؟


وهناك، أيضاً، تجمّعات أخرى، فيها من سبق أن مرّ بأحزاب يسارية، وتضمّ جيلاً من المتعلّمين ممن يبحثون عن عدالة اجتماعية واسعة. ويمكن ملاحظة هؤلاء، بوضوح، في تنظيم مثل «مواطنون ومواطنات في دولة» الذي يبدو أنه نجح أكثر من غيره في استقطاب جزء من الشباب المشارك في الحراك. فهذا التنظيم لا يتصرف كجمعية مدنية، بل كحزب سياسي، وهذا ما يجعله يقدم طرحاً متكاملاً، وهو أيضاً، ربما، ما يجعل التنسيق بينه وبين الآخرين صعباً، إذ يتهم كثير من القوى، اليسارية وغير اليسارية، هذا التنظيم ومسؤوله الأبرز شربل نحاس، بالفوقية وعدم الاستعداد لعمل منسق في إطار قيادي عام، فيما يتبين، مع الوقت، ان أبرز الانتقادات تأتي من قيادات في «النادي اليساري»، ومن جانب قيادات «المنظمات غير الحكومية»، وصولاً الى «نادي رجال الاعمال». والواضح أن سبب حملة هؤلاء هو قدرة هذا التنظيم (على كل مشاكله) على استقطاب جمهور يساري من الباب الوطني العام ومن باب العدالة الاجتماعية، كما أن في إمكانه منافسة الليبراليين لكونه يضم في صفوفه حشداً غير قليل من الخبراء ممن عملوا في قطاعات عامة وخاصة، ويملكون تجارب ترشّحهم لدور عام على صعيد السلطة. (من المفيد، هنا، الاشارة الى أن موجة التحريض ضد نحاس على خلفية الفيديو الذي ظهر فيه منتقداً بيئة حزب الله، أطلقها أساساً الموجودون معه في الساحات).
أما على الجبهة اليمينية المباشرة، فهناك حشد هائل من «الفنّاصين»، أو لصوص الهيكل، ممن يعملون اليوم في مؤسسات ومنظمات وشركات هي جزء من النظام الاقتصادي المحلي والعالمي الذي يتسبّب في القهر الذي يسود لبنان والعالم. وبينهم من تولى مناصب في الدولة والمؤسسات العامة، ومن كان - ولا يزال - شريكاً في قطاع خاص لم يحافظ على منسوب ربحيته في ظل النظام الحالي. وهؤلاء يريدون للجمهور أن يفوّضهم إدارة البلد، فقط لأنهم يلبسون بطريقة أفضل، ويختارون بشكل مختلف أين يسافرون وأين يعيشون وكيف يأكلون. وفوق كل ذلك، يريدون من الجمهور أن يمنحهم الثقة لكونهم «يعرفون التواصل مع المجتمع الدولي». وبين هؤلاء من يرفض اليوم التحاور مع السلطة، لكنه مستعد للتحاور مع وسطاء خارجيين (لو تجاهلت «الأخبار» خبر التحضيرات والدعوات للقاء بين ممثلين عن هذه المجموعات ومندوب الاستعمار الفرنسي الى لبنان، لما خرج كثيرون منهم ينفون أو يعتذرون).
وعلى صورة هذه التشكيلة العجيبة، تجد الانقسام واضحاً على الارض. فـ«هيئة تنسيق الثورة» لا تشمل اياً من القوى اليمينية. وحتى حزب سبعة الذي يشارك فيها، فهو إنما يفعل ذلك لأنه غير مرغوب فيه من الآخرين. على أن اللافت كيف أن الحزب الشيوعي يذهب للتنسيق مع مجموعات لا تشبهه على الاطلاق - لا طبقياً ولا حتى على مستوى الهوية الوطنية - ولا تعترف بالشيوعيين إلا كـ«عتالة» الحراك. وهذا ما واجهه شيوعيّو 14 آذار عندما أُوكل اليهم أمر التنظيم والتحشيد والتحريض، ولكن عندما حان موعد الحصاد، تمّ تجاهلهم بصورة كاملة (لم يجر اختيار الياس عطا الله نائباً عن اليساريين، بل جرى اعتباره واحداً من كتلة عامة تخص الوجهات الطائفية لقوى 14 آذار، وهذا ما حصل خلال كل تجربته النيابية، كما هي حال أمين وهبي). والبلبلة التي تسود موقف الحزب الشيوعي من الحراك ليست في أصل موقفه، بل في قوة مبادرته، وقدرته على منع الآخرين من فرض أجندة سياسية على جدول أعمال حراك مطلبي جامع، إلا إذا كان الشيوعيون قرروا أنه حان الوقت لتغيير موقع لبنان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ايضاً.

يتدرج الشعار من تغيير الحكومة الى إسقاط عون الى انتخابات جديدة


وسط هذه الغابة من الفوضى لدى الأكثر حضوراً في الشارع، يجب مراجعة الشعارات والبرامج الفعلية للحراك، وهنا بيت القصيد:
- في الايام الاولى، ظل الجميع يصرّ على الطابع المطلبي، والسعي الى تغيير في أداء السلطة أو وجوهها لإنجاز إصلاحات واسعة.
- في الايام التي تلت، تولت منصات التواصل الاجتماعي نشر برامج وشعارات جديدة تقوم على فكرة تعميم المسؤولية. وصار شعار «كلن يعني كلن» وكأنه برنامج متكامل، يردّده الناس بسذاجة لافتة، فيما يعرف واضعوه أن التفاعل معه سيتيح الانتقال سريعاً الى البند الجديد.
- بعد التركيز على استقالة الحكومة جرى الانتقال الى إسقاطها. ومفردة الإسقاط لها بعدها النفسي والعملي أيضاً، لأنها سرعان ما ترافقت مع شعار إسقاط العهد. وهنا يُقصد إسقاط رئيس الجمهورية. ولم يتورع من يقفون في المشهد الخلفي عن استخدام عناصر مذهبية في التحريض، من خلال استمالة أنصار سعد الحريري للانضمام الى الحراك تحت شعار أنه صار مطلوباً إسقاط الرئيس الشيعي والرئيس الماروني.
- في هذه الأثناء، كان يجب ابتداع تصور عند الإجابة عن سؤال: وماذا بعد؟ الحيلة الاساسية لا تزال قائمة، وهي الادعاء أن الناس هم من يقررون. لذلك، لا يمكن تشكيل وفد يفاوض هذا المسؤول أو ذاك، و«لا نقبل أن يمثلنا من يمكن استمالته»، أو أن «مطلب تشكل قيادة يعني دفعنا الى الخلافات والمحاصرة». لكن الجواب الحقيقي هو ترك الامور ضبابية، ما يتيح لـ«من بيده الأمر» تحديد البرامج والخطوات. فعندما يدبّ التعب بين الناس وتتراجع الحشود في الساحات، يتم اللجوء الى قطع الطرقات. وفي حالة تعبير الناس عن ضيقهم من تقطيع أوصال البلاد، يتم اللجوء الى إقفال المدارس. وفي الوقت نفسه، «يصدف» ما لم يحصل في التاريخ، إذ إن القطاع المصرفي والتجاري المفترض أنه هدف رئيسي للحراك، صار شريكاً في لعبة الضغط من خلال الاضراب العام، علماً بأن لكل من الطرفين أسبابه، لكن مع الوقت صار يمكن السؤال عمّا إذا كان هناك من يعتقد أن «تعطيل البلاد» من شأنه دفع الآخرين الى تغيير استراتيجيتهم.
- مع اقتراب المواجهة من لحظة قاسية بسبب الفشل في تشكيل حكومة، فإن من في الحكم يحاول التوصل الى تسوية بين قوى السلطة لإنتاج حكومة بديلة. وعند إعلان تكليف رئيس جديد وتشكيل حكومة جديدة، سنسمع الشارع وهو يعلن سحب ثقته المسبقة بأي سلطة جديدة. ومع نجاح تعطيل الجلسة النيابية الثلاثاء الماضي، سيكون الشعار العملاني الوحيد المقبل هو: انتخابات نيابية مبكرة!
لكن لنسأل من الآن: كيف ستجري الانتخابات، ووفق أي قانون، وبإشراف من؟

ناشطون يقبلون بعصبية مذهبية بهدف استمالة جمهور الحريري الى الشارع


الجواب ممن يجيدون رفع الشعارات سيكون أن الانتخابات لن تحصل وفق قانون أقرّه المجلس الحالي، أو أنهم سيشترطون لجنة مستقلة لا نعرف من يشكّلها تتولى الإشراف على العملية الانتخابية. وسيطالبون بإشراف ورقابة دوليين لضمان نزاهة الانتخابات. وسيصرّون على فرض نتائج للانتخابات تحقق الهدف الأهم بالنسبة إلى الرعاة الخارجيين، وهو إحداث تبدّل جوهري في طبيعة السلطة الحاكمة في لبنان.
هنا، لا بأس من العودة الى لعبة الارقام. من يصرّ على رقم المليونين، يريد أن يقول لنا، من الآن، إن أي انتخابات نيابية جديدة، يجب أن تخرج 50 في المئة من النواب الحاليين بما يمثلون وليس بالوجوه فقط. وإذا لم يحصل ذلك، فهذا يعني ان الانتخابات مزوّرة؟
لكن، لتحقيق هذه الاهداف مجتمعة، يبدو أن من يغامر باللعبة الكاملة يحتاج الى عناصر توتر اضافية، والى مستوى أعلى من العنف والفوضى، وهذا ما سيلاحظه الناس في البرامج والشعارات، وفي النشاط الجاري على الارض... الله يستر!