ما قبل 17 تشرين الأول ليس كما بعده... في البلد كما في بلدية بيروت. منذ ذلك التاريخ، لم يعقد رئيس المجلس البلدي جمال عيتاني أي جلسة. قد يكون القلق من اقتحام البلدية غضباً من أي قرار تتخذه البلدية أو تناقشه حجة كافية لتعليق الجلسات. لكن، قبل نحو أسبوع، طلب حزب الحوار الوطني (يرأسه النائب فؤاد مخزومي) من عضو المجلس هدى الأسطه قصقص الاستقالة من منصبها «انسجاماً مع مواقف الحزب الداعم للثورة، ولما كان المجلس البلدي مستمراً في ممارساته الشاذة وغير الشفافة من دون أي بصيص أمل عن نيته في تغيير نهجه». كما جرى الحديث عن استقالات أعضاء آخرين، أبرزهم مغير سنجابة (جماعة اسلامية) وعدنان عميرات والعضوين المقربين من المطران الياس عودة، ايلي اندريا وغابي فرنيني. لهذا كله، ربما، قرر عيتاني الدعوة الى اجتماع الاثنين الماضي بعد نحو شهر ونصف شهر من التغيّب الكلي عن البلدية. («الأخبار» حاولت الاتصال برئيس المجلس البلدي من دون أن تلقى جوابا).

الجلسة التي عُقدت من دون جدول أعمال وصفها بعض الأعضاء بـ«العاطفية»، وقد استبقها «الريّس» بسلسلة «اتصالات ومسايرات» لأعضاء سبق ان طردهم من مكتبه وكاد يتشابك معهم بالأيدي. وقد برّر البعض هذا التحول في أداء عيتاني، الذي أبدى خلال الجلسة مرونة استثنائية بـ«الخوف من استقالات جماعية تفرط المجلس البلدي بأكمله». في حين وصف آخرون الجلسة بأنها «حفلة تنظير وتكاذب من دون أي تغيير يذكر اذا لم نر أفعالاً». لكن اللافت أن طروحات بعض الأعضاء بضرورة اعتماد نهج مختلف في طريقة العمل البلدي وضرورة اعتماد الشفافية عبر نشر القرارات وغربلة الأولويات، قابلها الريّس بايجابية. فقد «أخذ بملاحظات الجميع وسجلها على ورقة في انتظار الدعوة الى جلسة الأسبوع المقبل لم يحدد تاريخها بعد ولا جدول أعمالها».

أبدى مرونة استثنائية خوفاً من استقالات جماعية تفرط المجلس البلدي


والواضح أن «الريّس» ومجلسه في حالة قلق وترقب وحيرة: هل نعقد جلسة ونتحمل ردة فعل البيارتة والمعتصمين قرب مبنى البلدية ان تم الاعتراض على قرار ما؟ أم نماطل في عقد الجلسات الى ما بعد رأس السنة لربما تتغير المعطيات وتهمد النقمة الشعبية؟ علماً أن كأس البيارتة فاضت من المجلس الذي لم يحقق بعد ثلاث سنوات سوى مزيد من الهدر والمشاريع الفارغة المنجزة على قياس جيوب البعض. وقد تمثّلت الفضيحة الأكبر في رغبة رئيس البلدية وبعض الأعضاء باقامة محرقة في بيروت لحرق 650 طناً (كل ما تنتجه العاصمة قبل الفرز) من النفايات يوميا، على مدى 25 عاما بمبلغ يوازي 100 دولار للطن الواحد، أي ما يعادل 65000 ألف دولار يومياً. وهو ما يتناقض مع مسألة الفرز من المصدر ويساهم في زيادة التلوث والأمراض المستعصية. والفضيحة الثانية تمثلت في مشروع تطوير الكورنيش البحري أو بالأحرى ردم البحر وتدمير ما تبقى من صخور على شاطىء عين المريسة بكلفة تقديرية تبلغ 25 مليون دولار. والملف الثالث الذي أدى الى انقسام في مواقف أعضاء المجلس هو تأهيل وصيانة 12 نفقاً في بيروت بقيمة 12 مليون دولار. وفيما كان يمكن لهذا الهدر المنظم والممنهج أن يمرّ سابقا بسلاسة، هناك خشية اليوم من أن أي خطوة متعثرة قد تغضب الشارع. وهو ما حدا بالبعض، في جلسة الاثنين، الى اقتراح تعليق هذه المشاريع حتى اتضاح الصورة، وسط موافقة ضمنية من عيتاني. وقد طمأنهم الأخير الى نيته اجراء جردة كاملة للمرحلة السابقة ووضع جدول اعمال مختلف للمرحلة المقبلة بنظرة تراعي الأوضاع الاجتماعية.



بيروت بلا زينة هذا العام؟
لا يمر عام من دون أن تسجل بلدية بيروت «انجازا» في ما يخص زينة عيد الميلاد وحفلة رأس السنة. العام الماضي، قدم المجلس البلدي مليون دولار لرئيسة جمعية beasts التي لا تبغي الربح، رشا جرمقاني، لقاء مهرجان ميلادي لمدة 20 يوما. آنذاك، لم يعمد المجلس الى اجراء مناقصة ولا حتى استدراج عروض. قدم المبلغ لجرمقاني المحسوبة على رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، على شكل مساهمة للجمعية لصرفه مباشرة. وقد حولت الأخيرة 400 ألف دولار منه لصالح عزة قريطم (محسوب على تيار المستقبل أيضاً) لتنظيم حفلة رأس السنة مع اصرارها على مضاعفة أرباحها عبر تقاضي رسوم ممن وضعوا كيوسكات ميلادية في ساحة الشهداء. مليون ومئة ألف دولار هدرت ايضا تحت عنوان «زينة عيد الميلاد»: 800 ألف دولار «مساهمة بلدية» الى غرفة التجارة والصناعة في بيروت التي يرأسها رجل المستقبل أيضا، وزير الاتصالات محمد شقير مقابل تزيين العاصمة لمدة ثلاث سنوات. الا أن ديوان المحاسبة قرر تجزئة النفقة عبر دفع الأتعاب عن كل عام على حدة، مما أدى الى تقاضي الغرقة نحو 260 ألف دولار العام الماضي. فيما قدم المجلس 300 ألف دولار لجمعية تجار بيروت من أجل الاهتمام بزينة شوارع بيروت الداخلية. واليوم، قبيل نحو 10 أيام من بداية الشهر الميلادي، تعود مسألة الزينة الى الضوء. رئيس مجلس بلدية بيروت حائر، على ما يقول بعض الأعضاء، فتزيين العاصمة والتحضير لاحتفال رأس السنة يعني دفع نفقات لغرفة التجارة أو جرمقاني أو غيرهما، والدخول في مشكلات اضافية هو بغنى عنها. والامتناع عن وضع الزينة سيدخله أيضا في سجالات مع نصف أعضاء المجلس وربما يأخذ الأمر منحى طائفيا. اللافت أن أحدا من الأعضاء لا يدري على ماذا نصّ الاتفاق أو المساهمة التي أعطيت لشقير واستدرج العروض على أساسها (تقدمت أربع شركات انتقى منها واحدة في جلسة عقدت في غرفة التجارة نفسها). وهل يشمل المبلغ قيمة زينة السنة الماضية أي يمكن للبلدية اعادة استخدامها هذا العام ودفع كلفة صيانتها فقط، أم أن 260 ألف دولار صرفت على تركيب الزينة وفكها؟ ويدور الحديث عن نية المجلس صرف 300 ألف دولار مجددا لصالح جمعية التجار التي غالباً ما تعيد استخدام الزينة نفسها كل عام. كذلك، لا أحد يملك أي فكرة عن مصير زينة ميلاد السنوات الماضية وعن سبب عدم صيانتها واستخدامها مرة أخرى لتقليص المصاريف أسوة بما يجري في بقية المدن اللبنانية وغالبية المدن الأوروبية.