فرضت التطورات الميدانية في منطقة القلمون السورية، حل قضية راهبات معلولا المخطوفات بالطريقة التي انتهت بها فجر اليوم. بعد اختطافهن قبل أكثر من 3 أشهر، رفعت «جبهة النصرة» من سقف مطالبها لقاء الافراج عنهن. كان الإفراج عن الموقوفين والمحكومين الإسلاميين في سجن رومية أحد أبرز المطالب، تماماً كما إطلاق سراح آلاف المعتقلين من السجون السورية. شيئاً فشيئاً، صار الخاطفون يرفعون من سقف مطالبهم أكثر، إلى أن بدأ الجيش السوري وحزب الله هجوماً في منطقة القلمون.


ومع اقتراب جنود الجيش والحزب من مدينة يبرود، بدأ الخاطفون بخفض مطالبهم. ويقول احد المطلعين على كواليس المفاوضات إن «الخاطفين باتوا متيقنين من أن مقاتلي الجيش السوري وحزب الله سيدخلون يبرود قريباً، وبالتالي، لم تعد ورقة الراهبات قابلة للمساومة بأسعار مرتفعة». وبناءً على ذلك، تقرّر السير في الصفقة. قبل ذلك، كان الوسيطان اللبناني (المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم) والقطري (مدير الاستخبارات سعاده الكبيسي)، قد تبادلا لوائح المطالب. بعد جولات عديدة، رسا الاتفاق على إطلاق سراح الراهبات ومساعداتهن (عددهن 16)، لقاء إطلاق سراح عشرات المساجين من السجون السورية، بينهم قريبات لقادة جماعات مسلحة. وبعد عدة لقاءات اجراها مندوب قطري مع المسلحين في يبرود، واللواء ابراهيم مع مسؤولين سوريين في دمشق، جرى التوصل إلى الاتفاق النهائي، على ان يتم التبادل على مرحلتين في يوم واحد: يتسلم الامن العام اللبناني والوسيط القطري المخطوفات في جرود عرسال قرب بلدة فليطا السورية. ثم يتسلم الوسيطان المفرج عنهم من السجون السورية، في جديدة يابوس. وبين الخطوتين، يُسلّم الوسيط القطري الخاطفين مبلغاً كبيراً من المال، في جرود عرسال أيضاً، كفدية اشترط الخاطفون الحصول عليها.
وعندما حان موعد تنفيذ الاتفاق امس، انتقل موكب كبير من الأمن العام، حاملاً مندوبين قطريين، إلى جرود عرسال. ودخلت عدة سيارات إلى بلدة فليطا السورية، حيث تسلّم مندوب عن الخاطفين المبلغ المالي. وكان من المنتظر أن تبدأ عملية تسليم المخطوفات، لكن الخاطفين قرروا إدخال تعديل على عملية التسليم، إذ طلبوا بأن يتم إحضار المفرَج عنهم من السجون السورية إلى جرود عرسال، ليتم «التسليم والتسلّم» في هذه المنطقة.
جرى تناقل هذا المطلب، إلى ان وصل إلى الجانب السوري الرسمي الذي أصرّ على الالتزام بالاتفاق بحذافيره. ووضع الوسيط القطري ثقله مع الخاطفين، فأقنعهم بالالتزام بالاتفاق.
وبعيد منتصف الليل، وصلت الراهبات إلى جديدة يابوس، بعد رحلة استغرقت 9 ساعات. وقد بدا عليهن الارهاق، ولم تتمكن اثنتان منهن من السير، فحملهما عناصر من الامن العام. رئيسة دير مار تقلا في معلولا، الأم بيلاجيا سياف (التي كانت مختطفة) شكرت الرئيس السوري وأمير قطر والبطريرك يوحنا العاشر اليازجي واللواء ابراهيم على الجهود التي بذلوها للإفراج عنها وعن زميلاتها. وقالت إن الخاطفين عاملوهن معاملة جيدة، وانهن نزعن صلبانهن بإرادتهن، «لأنو المكان يلي كنا فيه مش مناسب».
بدوره، اكد ابراهيم أن أي «مرتكب لجرائم لم يفرج عنه في هذه العملية».
قبل أيام، أكّدت مصادر الخاطفين أنهم نقلوا الراهبات من يبرود إلى رأس العين القريبة. بعد ذلك، نقلن إلى بلدة رنكوس القريبة من الحدود اللبنانية، ومنها إلى فليطا.
الخبر المُسرّب وُضع في سياق إبعادهن عن خطر القصف، لكن لم يلبث أن تبيّن أنّ نقلهن كان يجري على إيقاع المفاوضات الهادفة إلى إطلاق سراحهن. ونقلت المعلومات أنّ القطريين دخلوا بشكل مباشر على خط المفاوضات مع الخاطفين. وكشفت المصادر لـ«الأخبار» أن المفاوضات أجراها عن جانب الخاطفين «أبو عزام السوري»، ممثلاً أمير «جبهة النصرة» في القلمون المعروف بـ«أبو مالك التلّة». وعلى رغم إعلان كتيبة «أحرار القلمون» مسؤوليتها عن اختطاف الراهبات، إلا أنهن كن محتجزات لدى «النصرة» التي تؤكد المصادر وقوفها خلف اختطافهن. كذلك ذكرت المصادر أنّ المفاوضين توصّلوا إلى اتفاق على إطلاق المخطوفات مساء أول من أمس، كاشفة عن سلة مطالب قدّمها الخاطفون، وافق الطرف المفاوض على تلبيتها. وإضافة إلى مبلغ مالي كبير، لم يُعرف قدره، دفعته الحكومة القطرية، اتُّفق أيضاً على إطلاق عشرات السجينات والسجناء من السجون السورية. وفيما تردد أن عدد الذين اتفق على الإفراج عنهم بلغ 153 سجيناً وسجينة، علمت «الأخبار» أن العدد أقل من ذلك بكثير. كذلك كشفت المعلومات عن محاولة المفاوض عن الخاطفين تضمين مطلب يتعلّق بمسار المعارك الجارية في جبهة القلمون.
تجدر الإشارة إلى أن بداية عملية التفاوض خاضها رئيس بعثة الأمم المتحدة في سوريا مختار لماني، الذي تواصل بشكل مباشر مع «أبو عزام» الذي قدّم نفسه مفاوضاً عن الخاطفين. في تلك الأثناء، عرض ممثّل الخاطفين، الذي تؤكد المعلومات أنّه المساعد الشخصي لأمير «جبهة النصرة» في القلمون، جملة مطالب مقابل إطلاق المخطوفات. وكشفت المعلومات أن لماني اقترح حينها على الخاطفين تسليم الراهبات في منطقة محايدة، مقترحاً أن يتم ذلك في لبنان. وعلى هذا الأساس، أبلغ لماني المدير العام للأمن العام عباس ابراهيم، الذي وافق على الفور. عقب تلك المرحلة، طلب أبو عزام لقاء لماني شخصياً، إلا أن الأخير أبلغه بأنه غير مخوّل بلقائه. تلا ذلك، وصول موفد قطري إلى لبنان، دخل عبر عرسال برفقة ضابط لبناني إلى يبرود، حيث مكثوا ثلاثة أيام قبل المغادرة. عقب ذلك اللقاء، أطلّ اللواء ابراهيم على قناة «الجديد» ليعد المشاهدين بقرب الإفراج عن الراهبات المختطفات، موقتاً حصول ذلك قبل نهاية الشهر. مسار عملية التفاوض لم ينته هنا، لكنّه أكمل على هذا المنوال. وقام الوسطاء القطريون بجولات مكوكية، بالتنسيق مع اللواء ابراهيم. مرّ شهرٌ آخر، تكللت بعده المفاوضات بالنجاح.