لم يشأ محمد شقير أن يودّع وزارة الاتصالات إلا بفضيحة جديدة. عندما أيقن أن أياماً قليلة تفصله عن لقب وزير سابق، ضرب ضربته، مهرّباً قرار التجديد لشركتي الخلوي لمدة ثلاثة أشهر. ظن أنه سينجو بفعلته، فلا يمثل أمام لجنة الاتصالات التي تنعقد الاثنين المقبل، ولا يضطر لمواجهة النواب.

اخترع مؤتمراً صحافياً وداعياً، وأراد من خلاله أن يضع الأسباب الموجبة لفعلته من دون أن يتجرأ على إعلانها بشكل واضح. وبعدما كان مدد لشركتي «ألفا» و«تاتش» بشكل موارب من خلال عدم استرجاع القطاع لحظة انتهاء عقديهما، عاد أمس وجدّد العقدين علناً ولمدة ثلاثة أشهر.
لذلك، اجتمع مجلس إدارة كل من الشركتين، ليعلن الدعوة إلى جمعية عمومية استثنائية في السابع من شباط المقبل. أما جدول الأعمال فيضم ببساطة: أخذ العلم باستمرار رئيس مجلس الإدارة والمدير العام وأعضاء مجلس الإدارة بتأدية مهامهم كالمعتاد بعد تاريخ 31/12/2019 ولغاية تاريخه، وانتخاب مجلس إدارة جديد بعد انتهاء ولاية مجلس الإدارة في نهاية العام الماضي (لم تحدد فترة التجديد)!
قبل ذلك مهّد شقير لخطوته بابتداع شرط غير موجود ليبقي على شركتي «أوراسكوم» و«تاتش» في إدارة القطاع، وإن من دون عقد: «استرجاع القطاع بحاجة إلى قرار من مجلس الوزراء ليصبح نافذاً». لم يقل بعد من أين أتى بهذه الفتوى، لكنه يتعامل معها كدستور. ثم يخرج ليعترض على كل «هذا الحكي والأكاذيب والأضاليل والافتراء على الوزير». كان بإمكانه أن يُبرّر شرطه بخوفه من تحمّل المسؤولية منفرداً. لكنه فضّل أن يتذاكى. قال: تفضلوا طلعوا على قصر بعبدا واطلبوا من رئيس الجمهورية الموافقة على استرجاع القطاع. يقول ذلك، بعدما كشف أنه راسل رئاسة الجمهورية في 2 كانون الثاني طالباً «الموافقة الاستثنائية بالسرعة القصوى على عدم تمديد هذين العقدين وإدارة الشركتين بطريقة مباشرة». لم يردّ رئيس الجمهورية، تماماً كما لم يردّ عندما راسله شقير طالباً الموافقة الاستثنائية على تمديد العقد. بالنسبة لرئيس الجمهورية هذه مسؤولية وزير الاتصالات وبالنسبة لوزير الاتصالات هذا أمر «يخرج عن صلاحيات الوزير لما يحمل في طياته من تداعيات يعود أمر البت فيها إلى السلطة السياسية ممثلة بمجلس الوزراء».
يكشف شقير أنه اتصل بالوزير سليم جريصاتي فأعلمه الأخير أن لديه الصلاحية بالتجديد بمفرده من دون مرسوم أو قرار استثنائي. لم يتهور شقير إلى درجة الاقتناع بكلام جريصاتي، بسبب الحالة العامة الرافضة للتجديد. لكنه في الوقت نفسه لم يشأ الالتزام بمضمون العقد، فما كان منه إلى أن مدّد مواربة، وبدون قرار، قبل أن يعود ويقرر التجديد بلا تردد، بعدما أخذ الدعم من الحريري العائد. ذلك استدعى تحرك النيابة العامة المالية التي فتحت تحقيقاً بالأمر، متحدثة عن تجديد لمدة ثلاثة أشهر.

جمعيتان عموميتان لـ«تاتش» و«ألفا» لتثبيت بقاء «أوراسكوم» و«زين»


بوقاحة، جدد شقير العقدين خلافاً للقانون، ثم لم يتردد بالإشارة إلى أن تغيير طبيعة العقد يحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء أو إلى موافقة استثنائية. حتى هذه الحجة لا تكفي. مجلس الوزراء سبق أن وافق على استرجاع القطاع فعلاً، بمجرد توقيعه تمديد عقد الشركتين المشغّلتين في نهاية آذار 2019. الاستثناء هو الذي يحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء. والاستثناء هنا هو التمديد، أما في حال عدم التمديد، فليس المطلوب سوى تطبيق العقد الذي تشير المادة 3 منه إلى أنه صالح لفترة محدودة (انتهت في 31 كانون الأول 2019). وعليه، لا يبقى عند انتهاء مدة العقد سوى تنفيذ بنوده المتعلقة بكيفية إنهائه، وهو ما تحدده المادة 31 بدقة. وهنا خلافاً لما يتردد، ويردده الوزير عن أن استرجاع القطاع يجب أن يتم خلال 60 يوماً بعد موافقة مجلس الوزراء، فإن هذه المادة تنص على بدء إجراءات الاسترجاع فوراً، على أن تكتمل خلال 15 يوماً فقط، فيما تكون فترة الستين يوماً هي الفترة التي لا يمكن للشركة المشغلة أن تغادر قبلها.
كل ذلك ليس مهماً اليوم. شقير جدد للشركتين متحدياً كل النواب والرأي العام، ثم قرر أن يعقد مؤتمراً صحافياً «لأن كمية الافتراءات والاكاذيب التي مسّتني لم تحصل بتاريخ لبنان»!