لم يكن ما شهدته طرابلس يوم السبت الماضي من احتجاجات يشبه ما اعتادت المدينة أن تعيشه منذ اندلاع شرارة الحراك الشعبي في 17 تشرين الأول من العام الماضي. تطورات ساعات الاحتجاج الطويلة، أول من أمس، كشفت عن تحوّلات وتطوّرات على الأرض، تتناسب مع حجم الانهيار الاقتصادي، وتُنذِر بانفجار اجتماعي كبير في عاصمة الشمال.

وما يدعو إلى الارتياب ممّا يمكن أن تحمله الأيّام المقبلة من تطورات وتحرّكات شعبية قد تتحول إلى أعمال شغب، هو تصفيح واجهة سرايا طرابلس بالحديد، وكذلك فرع مصرف لبنان في عاصمة الشمال، إضافة إلى تصفيح واجهة بلدية طرابلس، ما يشير إلى وجود مخاوف حقيقية من تصعيد التحرّكات في الشارع خلال الأيّام المقبلة. وما يزيد من الارتياب أن السلطة، سواء على المستوى البلدي أو على المستوى السياسي في بيروت، وبدل القيام بأي خطوة من شأنها تخفيف الاحتقان في المدينة التي أصيب فيها أكثر من 80 شخصاً بجروح نتيجة المواجهات بين المحتجين والجيش، لجأت إلى تصفيح مراكزها.
غير أنّ عملية التصفيح هذه، والتي بدأت بها فروع المصارف العاملة في طرابلس قبل فترة، لم تحمها من غضب محتجّين عليها، وإحراقها، كما حصل مع فرع البنك العربي في ساحة التل وسط المدينة، وبعدما كان المحتجّون قد أحرقوا أيضاً فرع بنك البحر المتوسط الموجود في ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النور)، وهي المرّة الأولى التي يتعرّض لها أحد فروع هذا البنك الذي يملك الرئيس سعد الحريري جزءاً كبيراً من أسهمه. في السابق، كان البعض في طرابلس يتهمون أنصار تيار المستقبل بأنهم يقفون خلف التحرّكات الاحتجاجية، وأنّهم بقوا بعيدين عن فروع بنك البحر المتوسط في مدينتهم، لأن ملكيته تعود إلى زعيمهم، في مقابل تفجير غضبهم على فروع مصارف أخرى.

هاجم المحتجّون مصرف «البحر المتوسط» الذي يملك الحريري حصة كبيرة فيه


عامل ارتياب آخر زاد من منسوب القلق والخوف في المدينة خشية انفلات الأوضاع وذهابها نحو المجهول، هو المواجهات التي حصلت بين الجيش والمحتجين، والتي تحوّلت إلى «حرب شوارع» غير مسلحة، وخصوصاً في ساحة كرامي (النّور) ومحيطها، وفي محلة باب التبانة التي لها حساسيتها النابعة من وضعها الخاص، حيث تعرّض المحتجون لجنود الجيش وآلياته في المنطقتين. وبدا لافتاً نزول مجموعات من المواطنين إلى الشارع لدعم الجيش في مواجهة المحتجين، في تطور لافت يحصل للمرّة الأولى في المدينة.
تطورات المشهد الطرابلسي اكتملت فصولاً بعد تعرّض محتجّين لرتل من 39 شاحنة تعود إلى برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، محمّلة بالبضائع والسلع الغذائية، أبرزها السكّر، وهي متجهة نحو سوريا. وبرر المحتجون اعتداءهم بأنهم ظنّوا أن الشاحنات تحمل بضائع وسلعاً غذائية لبنانية يجري تهريبها إلى سوريا، فيما هم يعانون في سبيل الحصول عليها، إما بسبب فقدانها من السوق أو ارتفاع أسعارها بشكل جنوني. وحاول المحتجون إيقاف الشاحنات ومنعها من متابعة سيرها عند أوتوستراد الملولة، أول مرّة يوم الجمعة الماضي، ومرّة ثانية وبشكل أوسع أول من أمس السبت، وتعرّضوا لشاحنات بالتكسير، برغم أنها جميعها تحمل لوحات تسجيل لبنانية وأغلب سائقيها لبنانيون، وحاولوا وضع يدهم على محتوياتها. لكن تدخل الجيش أجبرهم على التراجع، والإفساح في المجال أمام الشاحنات لمتابعة طريقها باتجاه معبر العريضة الحدودي.
التعرّض للشاحنات على هذا النحو دفع الحريري إلى استنكار ما حصل، معتبراً في تغريدة له أن «قطع الطريق على مساعدة الأشقاء ليس من شيم أهلنا في الشمال»، ما طرح أسئلة حول ما إذا كان الحريري يتبرأ من قيام مناصريه بهذا الأمر، أو أن من فعلوا ذلك ليسوا من مؤيديه بل تابعون لطرف آخر دخل على الخط وحاول استغلال الوضع لمصلحته.