يوم السبت الماضي، أعلن النائب سامي الجميّل استقالة نواب حزب الكتائب من مجلس النواب، قائلاً: «سننزع ورقة التين عن المنظومة نحن وبعض الشرفاء». كان الجميل يتحدث، ووالده يومئ له برأسه. ثمة قطبة مخفية هنا تفترض العودة قليلا الى الوراء، و لا سيما بعد إصرار سامي على «بناء لبنان جديد». فالمنظومة أو النظام الذي أشار اليه، هو نفسه النظام الذي أنتج رئيسَي جمهورية من عائلة آل الجميل، عمه بشير ووالده أمين. على هذا الأساس، شارك الكتائب منذ ما قبل العام 2005، أي في ظل نفي ميشال عون وسجن سمير جعجع، في مؤسسات «المنظومة». ومنذ 15 عاماً، شارك في حكومات فؤاد السنيورة وسعد الحريري وتمام سلام، حتى العام 2016. لطالما كان حزب الكتائب، ابن المنظومة السياسية أبا عن جدّ، وأمسك بيدها في كل الانتخابات النيابية السابقة، حتى انتخابات 2018 التي ارتدى فيها معطف «المجتمع المدني». فالكتائب، لعب دوراً أساسياً في صياغة نظام الجمهورية الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، الذي كلّف لبنان أثماناً باهظة يدفعها اليوم.

لكن ما سرّ هذه الاستقالة التي جاءت متأخرة عقب اندلاع احتجاجات 17 تشرين الأول 2019؟ تقول المصادر إن قرار النائب نديم الجميل بالاستقالة متّخذ منذ مدة، ونال حيزاً من الأخذ والردّ بينه وبين ابن عمه. استقالة فردية في وقت مماثل كانت لتنقل المشكلة من خارج الحزب الى داخله في لحظة غير مناسبة من جهة، وتظهر سامي متمسكا بنيابته، ما سيتسبب في خسارتين: إحداهما قائمة مع القوى السياسية، والثانية قائمة جزئياً مع بعض المجموعات المدنية، على أن تصبح شاملة مع الكلّ في حال لم يستقل. لذلك، اتُخذ قرار الاستقالة، ولو أن الانتخابات النيابية المبكرة بعيدة المنال. رغم ذلك، ثمة تفاؤل كتائبي في المرحلة المقبلة. فقد خرج الحزب من السفينة قبل أن تنهار؛ آثر منذ خروجه من الحكومة في العام 2016 فتح جبهات تحت عناوين براقة كمحاربة الفساد والمساءلة وتغيير «الاستابلشمنت» القائم منذ أيام بيار الجميل الجدّ، ليرتطم بواقع غير الذي ارتجاه في انتخابات العام 2018 تحت عنوان «نبض الشارع» غير النابض لأجله. فرغم كل هذا المجهود لخلع عباءة الإقطاع التي لولاها لما ورث الرئاسة، كغالبية أبناء رؤساء الأحزاب، تعذر على سامي ايجاد الحيثية التي يجهد لبنائها. ويفترض الاعتراف هنا بأن خطاب الجميل يتقاطع مع مطالب جزء كبير من منتفضي 17 تشرين، ومن الشباب المتحمس لبناء «لبنان جديد». لكن ثقل ترسبات الحزب القديمة، معطوفاً على انخراطه الواسع في محور 14 آذار وركوبه وسمير جعجع طائرة الاستدعاء السعودية على عجل، تحول نسبياً دون تحوّله الى «طانيوس شاهين»، ولا سيما أن خروج سامي الرئيسي من الحكومات والسياسة التقليدية، لم يكن سوى لتعذر منحه الحصة التي يطالب بها في ظل التضييق عليه من حزب القوات يميناً، والتيار الوطني الحر شمالاً. قضى الحزبان على أي أمل له بالزعامة في ما بينهما. كان لا بدّ من البحث عن اطار جديد ليُرسي عليه حزبه. تزامن ذلك مع بروز جدي لمجموعات المجتمع المدني. قرر سامي الالتحاق بهم، ولكن بحزب أساس شعاره مبني على «الله والوطن والعائلة». ما لبث أن سقط في الامتحان الأول بحلته الجديدة في انتخابات 2018 النيابية التي خاضها برِجل في السلطة وأخرى في الساحة المدنية.

إصرار نديم على الاستقالة وضع سامي أمام معضلة انشقاق داخلي ومقاطعة من المجتمع المدني

كان للحزب 5 نواب، فبات له ثلاثة، أو بالأحرى نائب ونصف. ففيما فاز الياس حنكش بالكسر الأكبر، مثّل نديم الجميّل حالة فردية جذبت اليه البشيريين وجزءاً من القواتيين وكتائبيين بالطبع. سقطة الكتائب الأساسية هنا هي في عدم استمالته العونيين والقواتيين الهاربين من حزبيهما. والسبب في هذا كله يكمن في غياب الكوادر الحزبيين القادرين على التواصل مع نبض شبابي جديد، أكان في المتن الشمالي أم خارجه، رغم اتفاق البعض مع سامي في عناوينه الكبرى. وربما، لهذا السبب بالذات، أجرى الكتائب سلسلة تعيينات جديدة في الأقاليم عيّن فيها الطامحين بالترشح الى الانتخابات النيابية، حتى يتحلوا بالحماسة للعمل على الأرض. فقد عرّت الأصوات التفضيلية تمثيل الحزب برئاسة سامي الذي لم يقم بمراجعة شاملة ومأسسة حزبية بنيوية تنظيمية وعد المكتب السياسي بها من دون أن ينجزها، تماماً كما وعده بإقرار موازنة الحزب المالية المتأخرة 4 سنوات. حتى في السياق السياسي ومكافحة الفساد، لم يثبت الحزب على هدف أو مشروع محدد. مطالب فضفاضة ومعارك خافتة لم تصلح يوماً لتكون مكافحة فساد فعلية تودي بأي مسؤول الى القضاء، ولا برنامج سياسياً يصلح للمّ شمل بعض المستقلين حوله بهدف إنشاء جبهة معارضة. وفي ذلك، يبدو سامي ملتحقاً بـ«الثورة» ومتمسكاً بها لأنها قشة الخلاص الأخيرة.
يعوّل الجميّل اليوم على الحالة الشعبية الجديدة. يعتقد الكتائبيون أن الانتخابات الأخيرة لم تنصفهم، لا قانوناً ولا أصواتاً. فهم يرون أنهم ممّن لم تغرق أياديهم بالتوافقات والمحاصصة والتعيينات كالقوات، وبالتالي ليس هناك من فاتورة يدفعونها. لا بد «للناس من أن ينصفونا». بينما يعارض مخضرمو الحزب هذا القرار المتسرع، فنواب الكتائب لم يستقيلوا من مسؤولياتهم حتى في عزّ الحرب الأهلية، لأن «المجلس النيابي هو آخر مساحة شرعية، ولأنهم ببساطة منتخبون من الشعب ويفترض أن يقاتلوا لأجل من منحهم هذه الأصوات لا أن يفرطوا بها». في المقابل، ثمة من يرى استحالة «تبييض» صفحته كجزء من «المجتمع المدني». أصلاً تكمن خطيئته الأولى في عدم صياغته موقف الاستقالة أقله مع هذا الشارع، وانتهاء وقع الاستقالات مع انتهاء كلامه. يشير بعض المجموعات الى ضرورة مروره بمعمودية محاسباتية عن كل السنوات التي شارك فيها كحزب في السلطة، فيما ترفض مجموعات أخرى مجرّد البحث في التحالف مع الكتائب، مكتفية بالقول: «كلن يعني كلن».