لم ينتبه كثيرون إلى أهمية الاختراق السياسي اللافت الذي حصل في بيروت أثناء زيارة وزير الخارجية المصري نبيل في 20 آذار الجاري. جرى أول لقاء علني بين الدبلوماسي المصري ووزير الصناعة حسين الحاج حسن. هذه رسالة مهمة حيال الحزب وسوريا وإيران. هل في الأمر بداية تحوّل مصري؟

في المعلومات، إن حزب الله الراغب، كما مصر، في تعزيز الانفتاح والتفاهم، لم يستسغ كثيراً في البداية إطار اللقاء. كان شيئاً يشبه العتب على الوزير المصري بأن يستهلّ جولته السريعة على لبنان بزيارة رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع ويزور معظم القيادات، وبدلاً من أن يطلب زيارة السيد حسن نصر الله، اتصل طالباً أن يزوره وزير من حزب الله. تردد الحزب بداية في التجاوب مع الدعوة المصرية، لكنه ـ على معهود عادته ـ غلّب المصلحة الوطنية على الحساسيات. حصل اللقاء.

ماذا في قراءة الطرفين للقاء؟

أولاً، حزب الله:
يتفهم الحزب أن مصر في حاجة إلى تعزيز علاقاتها حالياً مع السعودية لأسباب مالية، ولاستكمال تطويق الإخوان المسلمين، وترسيخ سلطة المشير عبد الفتاح السيسي ليصل إلى الرئاسة قريباً. سيصل.
التفهّم لا يلغي اللوم. بعض هذا اللوم يتعلّق بتعاطي السلطات المصرية مع حزب الله على المستوى القضائي والإعلامي. كيف يمكن وضع الحزب مع الإخوان المسلمين وحركة حماس في خانة قضائية واحدة في ما عرف بقضية «وادي النطرون»؟ وكأن الحزب متورط في الداخل المصري، وهو ما نفاه عشرات المرات. لا يستند هذا الإجراء القضائي إلى أي مبرّر جدي، وفق الحزب، بل إلى أهداف سياسية.
ينفي الحزب أن تكون أي خلية منه قد أسهمت في إطلاق سراح سجناء، وبينهم سامي شهاب، من سجون القاهرة. الناشط في حزب الله اعتُقل أولاً وهو في قضية نضالية تتعلق بمساعدة فلسطين. عضّ الحزب على جرح الاعتقال في قضية كان ينبغي أن ينال فيها شهاب وسام النضال، لا قضبان السجون. وبعدما نجح مع رفاقه في الهرب من المعتقل المصري، في مرحلة فوضوية غداة إطاحة الرئيس حسني مبارك، لم يقم الحزب إلا بتهريبه حين علم بهروبه. كل ما يقال غير ذلك ليس صحيحاً. هذا موقف قاطع عند الحزب، ولديه الدلائل على ذلك.
يرى مقربون من حزب الله كثيراً من المغالاة في التوصيف المصري لعلاقة إيران وحزب الله مع الإخوان المسلمين وحماس. لا توجد حالياً أي علاقة مالية أو دعم مباشر للإخوان. العلاقة مع حماس لا تزال في مراحل اختبار. المطلوب من الحركة إعادة قراءة موقفها حيال ما حصل في السنوات الثلاث الماضية. مطلوب أيضاً إعادة تموضعها كحركة نضالية مقاومة داخل فلسطين، لا كجزء من مشروع إخواني في المنطقة.
لم يكن حزب الله أصلاً مرتاحاً للرئيس السابق محمد مرسي. الرئيس الإخواني خذل كثيرين حين ذهب إلى إيران وألقى خطاباً لا يليق بالحفاوة ولا بالمكان. خذلهم أكثر بعد جنوحه الكبير حيال سوريا والحزب وإعلانه القطيعة مع دمشق. وحين جاء الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى القاهرة، لم يلقَ استقبالاً لائقاً، لا بل لعله عومل بطريقة غير لائقة في الأزهر نفسه. مع ذلك، فإن حزب الله وإيران كانا أمام خيارين: إما العودة إلى شبح عهد مبارك مع أحمد شفيق، أو دعم مرسي. دعما مرسي... على مضض.
ثانياً مصر:
في المعلومات، يمكن الوقوف عند الملاحظات الآتية:
ـــ حرص الجانب المصري على التأكيد أن استهلال الجولة على لبنان بزيارة جعجع حصل من طريق خطأ لوجستي متعلق بالسفارة والترتيبات. أدركوا لاحقاً انعكاسات هذا الخطأ.
ـــ قال المقربون من الوزير فهمي إن زيارة لبنان مهمة أيضاً للداخل المصري، نظراً إلى ما يعنيه لبنان من تنوّع وتعدد مقابل أفكار التكفير والإرهاب. لذلك كان هناك حرص جدي على مساعدة الجيش وتدريبه واستعداد للإسهام بتسليحه.
ـــ مجرّد لقاء الوزير فهمي مع وزير من حزب الله يعني الكثير. هو أولاً كسر لمحرّمات اللقاء؛ لكونه يتزامن مع المحاكمات في القاهرة، ولأن ثمة رفضاً مصرياً لمشاركة حزب الله بالقتال في سوريا. وهو ثانياً لقاء على مستوى وزاري. هذا يجنّب مصر إحراجاً من جهة، ويمهّد للقاءات أخرى تتعلق بجوانب تعاونية من خلال الوزارات من جهة ثانية.
ـــ أكد الجانب المصري أن اللقاء مع حزب الله يعني أن مصر منفتحة على كل الأطراف اللبنانية، ولا تميّز بين طرف وآخر. حرص الوزير في كل لقاءاته على تجنب إعطاء أي رأي في مرشحي الرئاسة. لا تريد القاهرة التدخل في هذا الشأن. هكذا تقول مصادر الوزير.

ماذا حصل في اللقاء؟

قال الوزير المصري إن «القاهرة تدعم دور حزب الله كحزب مقاوم». قال، أيضاً، إن بين القاهرة والحزب نقاط خلاف عدّة، بينها تورّطه في الحرب السورية. لكن نقاط الخلاف لا تلغي مطلقاً الرغبة في اللقاء وتطويره لمصلحة البلدين ولحماية لبنان والمقاومة.


اللقاء بين مصر وحزب الله بداية الطريق نحو تحوّلات أكبر


شرح الحاج حسن أن دخول الحزب إلى سوريا جاء بسبب الأخطار الكبيرة التي أحدقت بلبنان. قال إن الخطر الإرهابي كان أكبر مما اعتقد البعض. أعطى أمثلة عدة، بينها المناطق الحدودية وعرسال. أكد أن الحزب قلق جداً من استهداف الجيش اللبناني، وأنه يدعم الجيش ويقف خلفه. أكد أنه يحترم الأطر الدستورية ويريد انتخاب رئيس للجمهورية وفق هذه الأطر وفي المواعيد المحددة. أجاد في توصيف فخاخ الفتن المذهبية، وعمل الحزب لتفاديها. قال كم أن الحزب يريد لمصر أن تستعيد دورها الريادي المقاوم في لحظة مفصلية من تاريخ هذه الأمة وفلسطين.
بهذا المعنى، كان اللقاء جيداً. تزامن ذلك مع رغبة مصرية في إعادة تحريك العلاقات على مستوى الإقليم. رسم نبيل فهمي خريطة ناجحة جداً للعلاقات الخارجية المصرية. هذا الدبلوماسي الدقيق، وابن الدبلوماسي إسماعيل فهمي الذي استقال بسبب كامب دايفيد، لم يكن قريباً من المؤسسة العسكرية. كان البعض ينظر إليه بشيء من الريبة بسبب علاقته مع محمد البرادعي ولدراسته وتدريسه عند الأميركيين. تغيّرت النظرة كثيراً بعد نجاحه الكبير في ربط علاقات استراتيجية مع روسيا، وبعد توسيع خيارات مصر والقيادة العسكرية صوب الهند والصين. صار نبيل فهمي مهندساً فعلياً للسياسة الخارجية الحالية. أدرك المشير السيسي أهميته الكبرى. أدركها خصوصاً حين وجد وزير الخارجية الأميركي جون كيري مهرولاً صوب مصر عشية وصول الوفد الروسي، محاولاً إقناع القاهرة بإبقاء أولوية العلاقة مع أميركا. في القاهرة، قال حينها كيري كلاماً إيجابياً في القيادة المصرية، فجرى تأنيبه في البيت الأبيض. ابتسم فهمي والسيسي والقيادة الجديدة.
من هذه الاستراتيجية، يرى فهمي ضرورة إعادة العلاقات الإقليمية من السعودية إلى إيران. يقينه، مثلاً، أن حل الأزمة السورية لن يكون من دون القاهرة وطهران والرياض وأنقرة. تعددت المبادرات في هذا الشأن. كانت زيارة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل للسيد حسن نصر الله. قال البعض إنه لم يكن مكلفاً رسمياً. المقربون من الوزير يؤكدون أن تكليفاً حصل بالفعل. مهّد الأمر للقاء بين وزيري خارجية إيران ومصر قبل فترة. في هذا السياق أيضاً كان اللقاء بين فهمي وحزب الله في لبنان. بدأ تمهيد الطريق صوب إيران، رغم حساسية العلاقة الحالية مع السعودية.

بنود مبادرة إيرانية جديدة

جرى تبادل أفكار قبل فترة في شأن الأزمة السورية. إيران طرحت مبادرة، لكن مصر تراها ضعيفة لأنها قد تُرفض من الطرف الآخر. في المعلومات أن هذه المبادرة تضم أربع نقاط هي:
ـــ وقف إطلاق نار شامل على المستوى الوطني.
ـــ تشكيل حكومة وحدة وطنية تقتصر على ممثلين عن النظام ومعارضة الداخل.
ـــ المباشرة في وضع أسس نظام جديد لنقل صلاحيات رئاسية إلى الحكومة، بحيث تصبح هذه الحكومة مع مرور السنوات متمتعة بصلاحيات واسعة.
ـــ إعداد انتخابات رئاسية وبرلمانية.
ترى القاهرة أن أسس المبادرة لحل سياسي جيدة، لكنها غير كافية. سيتطور الأمر لاحقاً، لو توسعت أطر المشاورات لتشمل مصر والسعودية وإيران، وربما تركيا.
الموقف المصري يتغير. صحيح أن القاهرة لم تتصدر قائمة الدول الرافضة أن يحتل الائتلاف المعارض مقعد سوريا في القمة العربية. لكن القاهرة لم تكن بعيدة أبداً عن دعم هذا الخيار. فضلت أن تبقى في الظل لأسباب خاصة يتعلق أبرزها بعلاقتها مع السعودية ومع المعارضة.
تدرك القاهرة أن وضع الائتلاف صعب بسبب الخلافات. تدرك أيضاً أن الأسباب القانونية لكي يحتل الائتلاف مقعد سوريا لم تجتمع ولن تجتمع. تعرف أن رئيس الائتلاف أحمد الجربا الساعي إلى تجديد ولايته يريد إطاحة 9 أعضاء من الائتلاف. تعرف مصاعب وضع المعارضة على الأرض. تنسج علاقات أمنية جدية مع سوريا. أما رفع العلاقات إلى مستوى دبلوماسي، ففي حاجة لمبادرات سورية لم تحصل بعد، وبينها الإفراج عن معتقلين من هيئة التنسيق وغيرها، بينهم مثلاً رجاء الناصر.
إلى كل ما تقدم، يضاف موقف الجيش المصري الذي يؤكد في كل مناسبة أن الأمن القومي المصري مرتبط عضوياً بالأمن القومي لسوريا وجيشها. لم تستسغ القاهرة ـــ ولن تستسيغ ـــ مثلاً مغامرات تركيا في سوريا. لعلها أوصلت شيئاً يشبه التحذير.
صحيح أن القاهرة تحتاج إلى مبادرات سورية. صحيح أيضاً أن علاقتها مع السعودية محرجة قليلاً، لكن ثمة تغييرات عربية مهمة قد تساعدها في المرحلة المقبلة. يقول مثلاً نائب كويتي بارز إن مواقف الكويت الرسمية ومواقف بعض الدول الخليجية باتت تصبّ في خانة دعم سوريا ومحاربة الإرهاب والحفاظ على الجيش السوري وتشجيع حل سياسي مع بقاء الرئيس بشار الأسد. يؤكد أن أمير الكويت قال له ذلك حرفياً.
فهل اللقاء بين فهمي ووزير حزب الله بداية لتحولات أكبر؟ الأكيد نعم. لكن الطريق لا تزال في بدايتها.