ثمّة أمور يمكن «بلعها». وثمّة أمور لا يمكن البتة تحمّلها.

هل علينا أن نتخيل، أو أن نفترض، أن هناك احتمالاً بأن يصبح سمير جعجع رئيساً للجمهورية؟
سيكسب جعجع، أولاً، أنه نجح في إغاظة غالبية لبنانية وعربية بمجرد ترشّحه. وسيكسب تأييداً من كل الذين يقولون إن البلاد في زمان الحرب كانت أفضل منها في زمن السلم. وسيكسب تأييد كل المجرمين الذين يحتاجون الى عفو، وكل الفارّين من وجه العدالة، وكل الذين يطارَدون الآن بحجة أنهم أخلّوا بالأمن العام. كل هؤلاء ربما يعتقدون، وعن حق، بأن وقف ملاحقتهم رهن بوجود رئيس للجمهورية من فئة: قاتل بحكم قضائي مبرم، ومعفى عنه بحكم سياسي غير شرعي!

في لبنان من يحب العدالة بين المجرمين، مثل أن يقول: تحتجّون على جعجع فيما كل أمراء الحرب يقودون الدولة منذ توقف الحرب الأهلية. ويعدّد أسماء نبيه بري ووليد جنبلاط وأمين الجميل وميشال عون وآخرين. وطبعاً، هناك من يضيف اليوم الى اللائحة السيد حسن نصرالله وقادة حزب الله، وسيراعي الآخرين بإضافة قيادات في تيار المستقبل، الى جانب حشد من رجال الدين والاعمال والسياسة والاعلام.
لكن هل هذه القاعدة حقيقية؟
بالتأكيد لا. ربما كان من الأفضل توضيح أمور كثيرة. صحيح أن السلطة السياسية التي قامت بعد الحرب الاهلية تشكّلت من قوى عبّرت عن نتائج الحرب الاهلية. وصحيح، أيضاً أن هذه السلطة ومعها سوريا لم تفضّلا للحظة واحدة وجود نفوذ أو تمثيل جدي للفريق المسيحي الخاسر للحرب، وهو ما أدى الى إقصاء سياسي للتيار الوطني الحر ونفي زعيمه العماد ميشال عون الى باريس، وفتح الباب أمام تمثيل «القوات اللبنانية» بشخص قائدها ـــ في حينه والى اليوم ـــ سمير جعجع، لكن الأخير رفض، وحصل ما حصل. فُتحت الملفات الامنية دفعة واحدة بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة، وتبيّن أن «الحكيم» قاتل لرشيد كرامي وداني شمعون وقيادات مدنية وعسكرية، وأنه يقف خلف محاولات اغتيال لآخرين. اعتبر جعجع، ومعه كثيرون، المحاكمات كيدية وانتقامية. لكن هؤلاء، حتى اليوم، لم يتمكّنوا من نفي واقعة واحدة ثبّتها حكم المجلس العدلي المبرم. أكثر من ذلك، يرفض جعجع التحدي المفتوح أمامه بإعادة فتح ملفات المحاكمة من جديد، إذا كان بريئاً فعلاً من الأفعال التي أدين بها.

يتصرف الوقح
كأن التاريخ كتاب يعدل، وهو لا يفرق بين طيّ الصفحة وتمزيقها
جعجع يتصرف، اليوم، كأن التاريخ كتاب يمكن تمزيق صفحاته كلما أردنا ذلك. لا يفرّق بين طيّ الصفحة وتمزيقها. ويعتقد بأن ما قد فات انتهى أمره، وأن على الضحايا التعوّد عليه لاعباً سياسياً مدنياً، له مناصروه ومن يمثله في الحكومة والبرلمان وفي الإدارات العامة المدنية والعسكرية. وهو يريدنا أن نقبل به قدّيساً طاهراً تعلو صورته رؤوس موظفي الدولة كلها. هل وصل به الجنون الى هذا الحد؟
يبدو أن هذا ما يحصل. ويبدو أن على اللبنانيين العودة الى نبش دفاتر الماضي. ما جرأة جعجع بترشيح نفسه إلا دعوة لنا لإعادة تذكير الناس بتاريخه، منذ انضمامه الى القوات اللبنانية، ودوره في كمية هائلة من الجرائم التي طالت المسيحيين من خصومه، ثم بقية اللبنانيين، وأن نعيد تظهير كل تاريخه الدموي، ولا بأس إن كان في الأمر مناسبة لإعادة نبش ملفات كل أمراء الحرب، علّ في ذلك ما يطيح كل من تلوّثت يداه بدماء الأبرياء، وعندها نطوي فعلياً صفحة الحرب الأهلية.
يقول وليد جنبلاط إن وصول سمير جعجع أو ميشال عون الى رئاسة الجمهورية يعني دعوة الى حرب أهلية جديدة. يكرر جنبلاط تحذيره هذا أمام كل سائل. حتى إنه يذهب أبعد من ذلك بالقول إنه مستعد للعودة الى الحرب الاهلية إذا حصل ذلك. صحيح أن لجنبلاط حساباته الخاصة، منها ما يتعلق برفضه وجود رئيس جمهورية له حيثية حقيقية في الشارع المسيحي، ولكن ما يقوله يمثل توصيفاً حقيقياً لحالة لبنانية عامة، لا يمكنها أن تقبل بخيار كهذا، ولو على سبيل المزاح!
سمير جعجع، «استحي... وانضب!».