صوّب القاضي طاني لطّوف مسار محاكمة المقدم سوزان الحاج والمقرصن إيلي غبش بقراره إرجاء الجلسة نهار الخميس الفائت للاستماع إلى الممثل المسرحي زياد عيتاني بصفة شاهد متضرر، علماً بأنّ الجلسة كانت مقررة للمرافعة وإصدار الحكم. غير أنّه بمجرّد إرجاء جلسة محكمة التمييز العسكرية، شُنَّت حملاتٌ إعلامية ضد رئيسها القاضي لطّوف لموافقته على طلب وكيلة عيتاني المحامية ديالا شحادة الاستماع إلى شهادة موكّلها، لكونه كان ضحية مؤامرة الحاج وغبش على اعتبار أنّه سُجِن ظُلماً بسببهما لأكثر من مئة يوم بعد تلفيقهما جريمة التعامل مع العدو الإسرائيلي بحقّه، فضلاً عن الوصمة التي تُلاحقه إلى الآن على اعتبار أنّ كثيرين لم يُؤمنوا ببراءة عيتاني، متّهمين السياسة بإخراجه من السجن لدوافع انتخابية، رغم أنّه بريء تماماً ممّا يُنسب إليه ظُلماً. اللافت أن مجموعات الضغط الإعلامي التي تدور في فلك المقدم الحاج، هاجمت لطّوف لاعتبارها أنّه رضخ لما نُشِر في الإعلام ليوافق على الاستماع إلى عيتاني، بعدما سبق أن رفض الطلب، وأمر بإخراج المحامية شحادة من الجلسة السابقة. كذلك جُنّ جنون وكلاء الحاج الذين طالبوا القاضي بأن تكون جلسة اليوم للمرافعة وإصدار الحكم، مع أنها جلسة مخصصة للاستماع إلى شهادة عيتاني التي من الممكن أن تُغيّر في مسار المحاكمة أو تكوّن اقتناعاً جديداً لدى القاضي.

وفي معرض الدفاع عن المقدم الحاج، أعادت حسابات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي نشر مقاطع مصوّرة من اعترافات عيتاني التي أدلى بها فعلاً، علماً بأنها اعترافات كاذبة قالها بسبب حالة الرعب الشديد التي كان يعيشها. وكان يُفترض يومها بجهاز أمن الدولة التثبّت من صحة إفادات الموقوف قبل اعتمادها؛ إذ إنّ الاعتراف ليس سيد الأدلة، على اعتبار أنه لو اعترف موقوف بأنه قتل ضحيته ذبحاً بسكين، بينما الضحية مقتولة بمسدس، لا يُمكن الركون إليه من دون أدلة تُعززه وتؤكده.
إزاء ذلك، فإنّ كل ما سبق، مضافاً إليه قرار القاضي لطّوف الاستماع لعيتاني، لن يغفر للمحكمة، التي ذاع صيتها لسنوات بوصفها «محكمة تبرئة العملاء»، تهاونها في هذا الملف الذي دخلت فيه السياسة حتى أفسدته، إذ إنّ رئيس المحكمة العسكرية السابق العميد حسين العبدالله الذي ختم مسيرته بوصمة عارٍ بمنعه المحاكمة عن جلّاد الخيام العميل عامر فاخوري، كان قد حكم قبل عامين بسجنِ سوزان الحاج شهرين مع غرامةٍ وقدرها مئتا ألف ليرة فقط، أي بحكم مخفف يخجل أي قاضٍ أن يُصدره بحقّ من يحوز كمية من حشيشة الكيف، لا بحق ضابط استغلّ منصبه ليُفبرك جريمةً لبريء. وهذا ما يوجب أن تكون العقوبة مشددة، في حال ثبوت التهمة، لكون هذا الضابط يرأس مكتباً يُفترض أن يكون مخصصاً لمساعدة الناس وليس تلفيق التُهم لأبرياء خدمةً لمصالح خاصة ودوافع شخصية. لقد اعتبر رئيس المحكمة العسكرية السابق العميد حسين العبدالله أنّ الحاج ليست محرّضةً على ارتكاب الجرم، وأدانها بجرمِ كتمِ المعلوماتِ فقط. وصدور الحكم آنذاك في قضية هزّت الرأي العام لا يُفهم منه سوى أنّ السياسة نجحت في تطويع القضاء لتُصدِرَ حُكماً غبّ الطلب، ولا سيما أنّه ترافقَ مع حراك مشبوه للضغط لإصدار حكم مخفّف عليها من جرّاء الحظوةِ السياسية التي تتمتّع بها، علماً بأنّ المحادثات بين الحاج والمقرصن غبش تُظهر بشكل لا لُبس فيه أنّها أرسلت له صوراً لحسابات الممثلِ المَسرحي زياد عيتاني على وسائلِ التواصلِ الاجتماعي. ويظهر من الاعترافات أن غبش كان يُنفّذ تعليمات الحاج التي كانت تُتابع معه المستجدات بشكل مستمر. كما أنّها بمجرّد توقيف شريكها غبش من قبل فرع المعلومات، سارعت إلى الذهاب للقاء الملازم أول في أمن الدولة، فراس عويدات، الذي أشرف على التحقيق مع عيتاني.
لم تحمِ السياسة سوزان الحاج في المحكمة العسكرية فحسب؛ إذ إنّ رئيس الجمهورية ميشال عون، رغم مرور سنتين ونصف على وروده إليه، لم يوقّع بعد مرسوم الهيئة الناظرة في الاعتراض الذي تقدّمت به المقدم سوزان الحاج على قرار المجلس التأديبي الأول القاضي بـ«طردها» من قوى الأمن الداخلي، على خلفية تورطها في فبركة جريمة التعامل مع العدو الإسرائيلي للممثل المسرحي زياد عيتاني. لقد وقّع رئيس الجمهورية مراسيم مجالس تأديبية لضباط آخرين متورطين في ملفات فساد عديدة أُرسلت مراسيمهم إليه قبل مرسوم الحاج وبعده، لكنه لا يزال يؤخّر التوقيع على هذا المرسوم لأسباب مجهولة.
تَمثُل المقدم سوزان الحاج اليوم أمام محكمة التمييز العسكرية التي يرأسها القاضي طاني لطّوف، تمهيداً لإصدار الحكم النهائي بحقّها. فكيف سيُقرِّر القاضي لطوف ختم مشواره القضائي على اعتبار أنّه يُحال على التقاعد نهاية نيسان الحالي؟



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا