فتحت القيادات المارونية - بلا أيّ التباس - معركة رئاسة الجمهورية، جمهورية لبنان الكبير الذي بناه البطريرك الياس الحويك، والذي أصبح في مئويته غارقاً في العتمة والفقر والجوع والانهيار التام. لكن فتح المعركة مبكراً، وقبل حسم مصير الانتخابات النيابية، ليس أمراً جديداً على القيادات المارونية، التي باتت تهجس جدّياً باحتمالات دخول أسماء جديدة على خط المرشحين، من غير أسماء الصف الأول، حزبية أو غير حزبية. في المقابل، وللمرة الأولى منذ تعيينه حاكماً للمصرف المركزي، يخرج رياض سلامة من السباق الرئاسي، بالحد الأدنى من المنطق. وقبل أكثر من سنة على موعد الانتخابات، إذا حصلت، لم يعد اسمه على قائمة المرشحين الرئاسيين. إلا أن سلامة، ورغم كل ارتكاباته في حق اللبنانيين، ووضعها أمام الرأي العام المحلي والخارجي، لم يكن يوماً يتمتع بهذه المكانة لدى القوى السياسية، التي لا يزال يعتبر أنه يملك «دالة ما» عليها وعلى كل من يطمح أو يحلم بالوصول إلى قصر بعبدا. والأسوأ، أن ولايته تنتهي في عام 2023، أي بعد أقل من سنة على انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وأي فراغ رئاسي يعني ما يعنيه من استمرارية الحاكم بأمره في منصبه.

حين أتى الرئيس رفيق الحريري بسلامة من «ميريل لينش» إلى بيروت حاكماً للمصرف المركزي، قدمه على أنه «أيقونة» التكنوقراط و«الوجه الصاعد في المجال المالي والخبرة المصرفية». هذا النموذج نفسه الذي يروّج اليوم في حكومات التكنوقراط وبعض الوجوه المُنزلة من فوق، التي شهد لبنان شبيهاً لها، مقابل قلة منهم قدمت حقيقة مشهداً مختلفاً، قبل أن تُسحب من الضوء لصالح نماذج أقرب إلى موظفين في خدمة القوى السياسية.
لم يكن يخطر في ذهن رئيس الحكومة أن الرجل الذي عينه موظفاً من الفئة الأولى، وموفده إلى القيادات الروحية والسياسية المسيحية للترويج لخطة الحريري المالية على مدى سنوات مشروعه السياسي، سيتحول على مدى 28 عاماً، إلى واحد من «الأيقونات» المسيحية، و«شفيع» لطوائفها الكثيرة. الرجل غير الآتي من بيت سياسي وراثي حوّل نفسه إلى «بيت مال» قائم بذاته، وصار رقماً صعباً في نادي «البورجوازية المسيحية»، ومن تعرّف عن نفسها بالنخبة الإعلامية والثقافية التي كادت تتخلى عن «فرنكفونيتها» وحنينها إلى باريس، لمجرد أن انتقدت صحف فرنسية سلامة، وقررت إدارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنها لم تعُد راضية عنه.
ندر أن حصد رجل مثله على رضى الطوائف المسيحية والإسلامية بمثل هذا الحجم. على مدى الأعوام التي خرج فيها من عباءة الحريري الأب والابن، ليصبح ندّاً لقيادات الصف الأول، عرف كيف يقلّب الأدوار فيطلبون هم رضاه لا العكس. إلا أن مضاعفته للخدمات المالية والتوظيفات في المصرف المركزي والمصارف ولمجموعات إعلامية وسياسية وعسكرية وأمنية، ولاحقاً دينية، التقت حوله في دائرة مصغرة ومكبرة، ظلّت محكومة بشبح الرئاسيات، في الاستحقاقات الماضية التي لم ينجح فيها في كسر الاتفاقات الإقليمية والدولية، لتقديمه على ما عداه بحجة الاستقرار النقدي. لكنه نجح في قطف ثمار اختيار بديل له في بعبدا، من خلال الحفاظ على مركزه في المصرف المركزي، فجُدِّد له عام 2017، برضى كامل من جميع القيادات السياسية، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية. وهو اليوم في وقت يواجه حملات بلا هوادة ضده، بدأ يستخدم الاستحقاق الرئاسي في اتجاه آخر. هو نفسه القريب من الرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط، وقبل كل ذلك السوريين والأميركيين والفرنسيين، ارتد إلى الساحة المسيحية، فحوّل معركته إلى «مسيحية» الطابع. هو وموفدوه أقنَعوا بكركي التي باتت تدين وبطانتها بالولاء له، أن التدقيق الجنائي اليوم استهداف للموقع الماروني، وأن الحكومة يجب أن تسبق التدقيق. هو نفسه الذي كان شرح للبطريرك مارنصرالله بطرس صفير منذ عام 2002 أن الوضع المالي «سيئ». فيما شكا من سياسته المالية لصفير أيضاً المدير العام للمال ألان بيفاني وكل من مكرم صادر وشربل نحاس لأنها «ستزيد المخاطر وإلغاؤها اليوم خير من الغد» (مذكرات «السادس والسبعون»). ثم عاد ليحلّ ضيف شرف على منتدى اقتصادي في بكركي في تشرين الثاني عام 2018 ليؤكد أمام المطارنة أن «القطاع المصرفي متين»، شارحاً لهم أهمية سياسته النقدية في حفظ استقرار الليرة. والارتداد إلى الكنيسة التي ندر أن شوهدت صورة له فيها، يوازيه حفظ العلاقة مع القيادات العسكرية والأمنية التي تغطّيه. هو يدرك أن العلاقة بين المصرف المركزي والمؤسسة العسكرية المزمنة عبر تبادل الخدمات، باتت تميل كفة الميزان فيها إلى المؤسسة العسكرية حيث قائدها جوزف عون مرشح بقوة، وهو أيضاً له في الخدمة العسكرية ما يزيد عن ولاية رئيس الجمهورية. لكن الحاجة المتبادلة تبقى قائمة، إلى أن يحين موعد الاستحقاق.
تبقى الحلقة الأقوى في استثمار دالة سلامة، علاقته بالمرشحين جميعهم، المعلنين وغير المعلنين، وبالقوى السياسية التي تحتاج كلها إليه في وقت الأزمات المالية، أكثر مما احتاجته في السنوات الماضية. لا انتخابات نيابية ولا رئاسية بلا أموال. وفي زمن الشح المالي، لا يوجد سوى المصرف المركزي بكل تسهيلاته. والقوى المسيحية، تستثمر من الآن في الانتخابات النيابية لتأكيد تعزيز رصيدها لدى الناخبين وتالياً التقدم إلى استحقاق بعبدا. في هذا المشهد كله، يصبح اسم سلامة مفتاحاً للمرشحين النيابيين والرئاسيين. لأنه حتى الآن لم نشهد صراحة قول مرجعية رئاسية أو حزبية أنها تخلّت عن سلامة بالمطلق وبكل وضوح، بدل اللفّ والدوران حول التدقيق الجنائي الذي يخضع للمساومة كما كل قضية سياسية.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا