شعّت صالة نقابة الصحافة بنور غريب. تسمّر الحاضرون على مقاعدهم. فُتحت فجوة في السقف وسقط أنطوان إيلي الريف على المنصة ليعلن ترشّحه الى رئاسة الجمهورية. قد تكون هذه الطريقة الأنسب لظهور «رسول الله الرئاسي على الأرض». ولكن الريف فضّل اعتلاء المنصة كالناس العاديين لمساعدة اللبنانيين على العبور نحو الخلاص. لا داعي للاستغراب.


صاحب شركة الريف للتجارة لا يمثل في أحد البرامج الكوميدية ولا يراوغ، بل لديه إثباتات على تكليف السماء له منذ نحو ربع قرن. فعندما «أزاح الله عنا الحرب الأهلية»، كلّف رخام وغرانيت وسيراميك الريف بإعادة الحياة الى مباني وطرقات بيروت المدمرة. وعندما «أزاح الله عنا الاحتلال من الجنوب»، حضرت البضاعة «الإلهية» الى أرصفة الخيام وضواحيها هذه المرة. ولكن لماذا انصبّ الوحي الإلهي بكامله على أنطوان وشركته، لا غيره؟ ببساطة لأنه «ابن زقاق البلاط، المنطقة التي شاءها الله أن تكون منطقة التعايش بين كل الطوائف». وذلك يفسّر، برأيه، «تدخل الأقدار لتوحّد دور العبادة المختلفة من بضاعتنا»: غرانيت وسيراميك الريف (وربما القليل من الباركيه) أيضاً وأيضاً في جامع ذي النورين في بشارة الخوري وجامع شمس الدين في الطيونة ومطرانية الروم الكاثوليك في المتحف.
اليوم، وبعد إنجاح شركة الريف مديرها العام في امتحانه السماوي، ها هو الله يختاره مجدداً في مهمة أخرى: «بناء لبنان سياسياً». لماذا أنطوان مرة أخرى؟ ببساطة مماثلة لأنه «يحب الله عز وجل من كل قلبه وعقله وجوارحه ولا يعمل لمجده الزائل بل لمجد الله». يصمت الريف لثوان قبل أن يصرخ في نفسه: لماذا أنا؟ فيجيب بنبرة هادئة: «لأن الشعب يريد الخلاص ورؤيتي نحو العبور هي الدواء الشافي». تعلو الصرخة ثانية فترتجف إحدى الجالسات: لماذا أنا؟ لأن كرسي الرئاسة يطلبني الآن بكل تواضع. لم يزر الريف أي جهة سياسية بعد، ولا يكترث لنيل أصواتها، رغم انعقاد الجلسة الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية اليوم. اكتفى بتسليم برنامجه الى بكركي وإرساله تالياً الى المجلس النيابي حيث يمكن النواب الاطلاع على خططه للعبور الاقتصادي والزراعي والصناعي والتجاري والاجتماعي. على الصعيد الحكومي، سيضيف فخامته وزارة للإنتاج المسرحي والسينمائي، ويستحدث منصباً جديداً في وزارة الخارجية يعرف باسم السفير الأول لكل قارة. قريباً جداً، يقول الريف، سأدور على الكتل النيابية، وهو على ثقة تامة بأنه سيتبوّأ أعلى منصب في الدولة اللبنانية «بإذن الله». وللمفاجأة، أنهى المرشح مؤتمره بصوت نيابي منحته له النائب مونيك عيراني، أو المفترض فوزها عن أحد المقاعد المارونية في قضاء بعبدا لو لم يتم التمديد غير الشرعي للمجلس النيابي. لفتها اهتمام أنطوان الريف بالزراعة وحرصه على عدم بكاء أي مزارع بعد اليوم. دعته الى وضع الشروط الاضافية على المستثمرين، فوعدها بالوصول الى حل، لأن «الله هو أساس العبور». لا داعي للاستفسار هنا عن معنى هذه الجملة، ما دامت سعادة النائبة المفترضة مقتنعة بإجابة رئيس الجمهورية المنتخب إلهياً. يذكّر برنامج صاحب شركة الريف للرخام والغرانيت ومشتقاته، أحد الحاضرين، بخطاب قسم رئيس الجمهورية ميشال سليمان. يسأل فخامة المرشح أولاً عمّا إذا كانت هناك صلة قرابة بينه وبين سليمان، وعن خطته ثانياً لإنجاز ما لم يتمكن الرئيس من إنجازه. يرد الريف بثقة: «سليمان عرقلولو مشاريعو لعدم ثقة كل القوى السياسية المعروفة به. أما أنا فلا أترشح ضد أحد أو مدفوعاً من أحد أو لاستفزاز أحد. لذلك سأتعاون مع كل الأطراف لإنجاز استراتيجيتي وأضع نفسي كجسر عبور بمباركة من الله». تجدر الاشارة أخيراً الى أن كل شخصيات النص حقيقية ومجرياته لم تخضع لأي تعديل، بل حدثت فعلاً يوم أمس في نقابة الصحافة. اسألوا عضو نقابة الصحافة فؤاد الحركة الذي قدّم فخامة المرشح وتمنى وصول أمثاله الى سدة الرئاسة.