فرض سمير جعجع نفسه مرشحاً رئاسياً. يتباهى انصاره بأنه «دخل المواجهة، ولم يتراجع»، مؤكدين أنه «لن يتراجع». المرشحون الآخرون من فريقه أخلوا الساحة له، لتصطف خلفه كل أحزاب وتيارات وشخصيات 14 آذار، باستثناء النائب الطرابلسي محمد كبارة. المرشحان بطرس حرب وروبير غانم قررا الانكفاء وتأييد جعجع. حتى حزب الكتائب، الذي كان على عتبة ترشيح رئيسه أمين الجميّل لرئاسة الجمهورية، تذرّع بـ«الظروف التي تحيط بنا والتي حتمت علينا إجراء هذه الالتفافة»، بحسب مصادر كتائبية أضافت لـ«الأخبار»: «جعجع أحرج جميع قوى الرابع عشر من آذار بطريقة ترشحه». بدا الكتائبيون واقعيين جداً، إذ يقولون إنه «لا يليق بالرئيس الجميّل أن لا يحصد أكثر من 5 أصوات».


القوى السياسية أنجزت حساباتها أمس. في أرقام 8 آذار، يحصل جعجع على ما بين 45 و50 صوتاً، فيما يحصل مرشّح النائب وليد جنبلاط النائب هنري حلو على نحو 12 و14 صوتاً (10 أصوات من جنبلاط وكتلته ــ الرئيس نجيب ميقاتي والنائب أحمد كرامي والنائب نقولا فتوش) أما الباقي، فللمرشح المنافس: الورقة البيضاء. يقول بعض أركان فريق 8 آذار إن تصويت أكثر من 60 نائباً بورقة بيضاء، يعني أن نواباً من فريق 14 آذار فضلوا الورقة البيضاء على جعجع. وداعمو الأخير يرون أن الورقة البيضاء تمثل ــ حسابياً ــ النائب ميشال عون في المرحلة الحالية من الانتخابات الرئاسية.
في صف 14 آذار، يقال إن جعجع سيحصل على ما بين 50 و52 صوتاً. أما «الوسطيون»، فيتحدثون عن حصول حلو على نحو 18 صوتاً (يضيفون إلى المذكورين أعلاه النائب محمد الصفدي والنائب محمد كبارة والنائب ميشال المر وحفيدته النائبة نايلة تويني، علماً بأن مصادر سياسية بارزة في فريق 8 آذار تتحدّث عن أن المر وعد الرئيس نبيه بري قائلاً: أنت وأنا سنصوّت للشخص نفسه). وكان فريق 8 آذار قد درس خيار دعم حلو في جلسة الانتخاب الأولى، إلا أن الحسابات أظهرت أنه سيحصل على ما يقارب 70 صوتاً. ورغم أن هذا العدد لا يكفي لفوزه بمقعد الرئاسة في جلسة الانتخاب الأولى (التي يحتاج فيها إلى أكثر من 86 صوتاً)، إلا أن وصوله إلى حافة السبعين صوتاً سيجعل منه أمراً واقعاً يصعب تخطيه في الجلسات اللاحقة.

بري: قلتُ وأكرّر
إنها فرصة للبننة
انتخاب الرئيس
في المحصلة، ستُعقد الجلسة اليوم. النصاب سيكون مؤمناً. ستجرى جولة الانتخابات. لن يحصل جعجع، ولا الحلو، ولا أي مرشح آخر على أصوات ثلثي أعضاء مجلس النواب اللازمين لانتخاب الرئيس في جلسة الانتخاب الأولى. بعد ذلك، يفرض الدستور أن تجرى جلسات انتخابات ثانية وثالثة ورابعة و... إلى أن يُنتخَب رئيس جديد للجمهورية، بأصوات النصف زائداً واحداً من أعضاء المجلس. لكن عملياً، سيجري تطيير النصاب اليوم، وسيختم رئيس المجلس نبيه بري محضر الجلسة، ليحدد موعد الجلسة المقبلة لاحقاً. وعملياً، لن يتوافر النصاب القانوني لجلسات أخرى، بانتظار التوافق على اسم الرئيس المقبل للجهورية. وبالحسابات العددية، عاد النائب وليد جنبلاط ليؤدي دور بيضة القبان. لكن جنبلاط لا يملك ترف تغليب كفة على أخرى، «إلا باتفاق سياسي ـــ بالتنسيق مع الرئيس نبيه بري ـــ يُرضي حزب الله وتيار المستقبل معاً»، بحسب مصادر «وسطية».
من جهته، قال الرئيس بري لـ«الأخبار»: «سأكون أول من يدخل القاعة وآخر من يخرج. قلتُ وأكرّر إنها فرصة للبننة انتخاب الرئيس. لسنا في حاجة إلى أي تدخل خارجي، وآمل ألّا نحتاج إلى ذلك». وأضاف بري: «كتلتنا ذاهبة إلى الجلسة من دون أن يكون لدينا مرشح، وسنبني على الشيء مقتضاه في الجلسة. كنت أول من توقع اكتمال النصاب القانوني، وقد دعوت إلى الجلسة بناءً على نتائج مشاورات اللجنة النيابية والاتصالات التي أجريتُها».
من ناحية أخرى، لا يزال أنصار النائب ميشال عون متفائلين بإمكان التوافق مع تيار المستقبل، ومن خلفه السعودية، على اسمه. وهو لم يترشح التزاماً بتعهده عدم الترشح في حال دعم تيار المستقبل جعجع. لكنّ مساعديه لا يزالون يعملون بجد لحشد أكبر عدد ممكن من الأصوات خلفه للجلسات الانتخابية المقبلة. ويقول مرجع في فريق 8 آذار إن تيار المستقبل أبلغ عون أن تصويته لجعجع لا يأتي إلا في إطار «سداد لدين قديم، لأن جعجع وقف بقربنا». هذه العبارة أحيت آمال العونيين، رغم تأكيد أركان المستقبل أن حظوظ انتخابهم لعون تلامس الصفر.
وكان وزير الخارجية جبران باسيل قد زار كليمنصو أمس برفقة وزير التربية إلياس بو صعب والنائب ناجي غاريوس، لمناقشة مرحلة ما بعد جلسة اليوم. وأبلغ باسيل جنبلاط، بحسب المصادر المطلعة على الجلسة، «عدم ترشح عون في هذه المرحلة، وبالتالي لم يكن الهدف طلب تأييد الجنرال». من جهته، شدد رئيس جبهة النضال الوطني على ضرورة الحوار بين جميع الأفرقاء للوصول إلى حل رئاسي على غرار التفاهم على تشكيل الحكومة.
جنبلاط يخرج أرنب الحلو من قبعته
وخارج حسابات الربح والخسارة، كان النائب هنري الحلو أمس يوزّع أكبر كمية ممكنة من الابتسامات العريضة في يومٍ واحد. على مدخل منزل جنبلاط في كليمنصو، ترجّل الحلو من السيارة كرئيس للجمهورية، ويده على ربطة عنقه الكحلية، وبقي على هذه الحال خلال سيره بين النائبين إيلي عون وعلاء الدين ترو حتى الباب. بدا كمن يحسب خطواته، نظراته، ابتساماته... بعناية. في الداخل، تربع الحلو فوق كنبة «ضيوف» البيك على يساره في غرفة الاستقبال، وبقي متأهباً بانتظار المصورين. وفوق طاولة المؤتمر الصحافي، هزّ جنبلاط رأسه مراراً، ومرشّحه لـ«الاعتدال والحوار» يقول بضع كلماتٍ عن «الرئيس القوي».
عصفوران بحجر واحد، غلّة رئيس الحزب الاشتراكي أمس: سمّى الحلو مرشحاً «وسطياً»، وأعلن عودة كتلته 11 نائباً من دون أبناء ضالّين. وللأمانة، لولا الحلو، لكان جنبلاط في مأزق البحث عن ماروني آخر، يلوذ به بعيداً عن مُرّ الاصطفاف بين 14 و8 آذار، بعد أن دعاه الرئيس نبيه بري لورقة 8 آذار البيضاء في جلسة اليوم، لكنّه فضّل أن يغرّد وحيداً كي لا «يُحسب» على 8 آذار.
والحلو بالمناسبة، كما أكّد جنبلاط نفسه، بعد اجتماع من 10 دقائق لكتلة اللقاء الديموقراطي «ليس مرشحاً للمناورة»، بل «خيار جدّي»، على ما يؤكّد لـ«الأخبار» أربعة نوّاب من الحاضرين.
لم يتوهّم أحد أن جنبلاط قد يمنح أصواته في أي دورة انتخابية لرئيس حزب القوات سمير جعجع. لكن جنبلاط ذهب أبعد من ذلك في جلسة اليوم: رشّح من يقول عنه الاشتراكيون: «ابن الذي رفض الرئاسة حتى لا تتلطّخ يداه بالدماء»، في مقابل جعجع!