لا يمرّ أسبوع من دون تصريحات لسياسيين ونواب ووزراء، من مختلف الأحزاب، تطالب بإقرار البطاقة التمويلية، وتحدد تاريخاً لبدء عملية تسجيل لا يلبث أن يمر من دون أن يتحقق شيء. مجلس الوزراء الذي استعجل رفع الدعم تحت ضغط من حاكم مصرف لبنان، لا يرى نفسه معنياً بالانهيار الاقتصادي المضاعف الذي تسبّب به ترك الناس يتحملون غلاء الأسعار الإضافي المترافق مع غلاء المحروقات. والقوى السياسة كلها عمدت، بالتواطؤ في ما بينها، إلى الموافقة ضمنياً على إفقار الناس ووضعهم تحت أمر واقع من دون إقرار أي خطة نهوض اقتصادي ولا شبكة أمان اجتماعية. وها هي القوى نفسها تخضع اليوم لابتزاز البنك الدولي، فتنفّذ شروطه بكشف داتا اللبنانيين أمام شركة بريطانية ستدير بنفسها المنصة المشتركة للبطاقة التمويلية كما بطاقة العائلات الأكثر فقراً (منصة Impact). ما يهدد سرية المعلومات الخاصة بالمسجلين على المنصة ويجعلها عرضة للخرق والاستخدام لأغراض سياسية وانتخابية من دون موافقة صاحبها.

في عهد حكومة الرئيس حسان دياب، وضع البنك الدولي الاستمارة الأولى (أي الأسئلة التي يفترض الإجابة عنها لتتم عملية التسجيل) بعد إصراره على أن يتولى هذه المهمة بنفسه لا وزارة الشؤون الاجتماعية، ومن دون استشارة أي جهة لبنانية رسمية. وتفيد مصادر في وزارة الشؤون بأن البنك «أرسل النسخة الأولى بعد إعدادها، وسجّلت اللجنة المكلفة إعداد البطاقة ملاحظات على محتوى الاستمارة تتعلق بطولها وبالأسئلة المطروحة. أدخل البنك تعديلات على الاستمارة، لتخرج بشكل أسوأ لا يتناسب مع آلية عمل المنصة». ولفتت المصادر إلى أن بعض الأسئلة تتضمن خرقاً للخصوصية، وهناك أسئلة أخرى غير واضحة وغير مباشرة ولا تؤدي إلى النتيجة المرجوة، بما يساهم في تعزيز الاستنسابية في التقييم والتقدير، خصوصاً أن من سيقيّم الاستمارة برنامج آلي لا جهاز بشري. فضلاً عن ذلك، فإن ملء الاستمارة، على ما يقول أحد المطلعين عليها، يحتاج بين 40 و45 دقيقة للمتمرس في الأمر، فكيف لمن لم يسبق أن أجرى عملية مماثلة؟

بعض الأسئلة في الاستمارة تدخل ضمن خانة «تفييش الناس» والتدخل في خصوصياتهم


إلى ذلك، تنفي مصادر حكومية أن يكون البنك الدولي أو الشركة البريطانية المعنية بإدارة المنصة قد أرسلا المنصة إلى رئاسة الحكومة أو إلى وزارة الشؤون الاجتماعية. ولدى سؤال هؤلاء للمكلفين من البنك بالعمل عليها، يأتي الجواب، باقتضاب، بأنها موجودة على المنصة التي لم تُطلق بعد، ما يثير شكوكاً مشروعة لدى وزارة الشؤون حول «الغموض المتعمّد والطريقة الملتوية في العمل وعدم الأخذ برأي الجهة المعنية مباشرة والتي لها خبرة في هذا النوع من الأعمال». وما يقلق أكثر هو أن بعض الأسئلة التي كانت في الاستمارة الأولى لا تدخل سوى ضمن خانة «تفييش الناس» والتدخل في خصوصياتهم. فضلاً عن أن طلب الموافقة على رفع السرية عن الحسابات المصرفية لأي راغب بالاستفادة من البطاقة، «يصطدم بعدم أمان الجهة التي تُرفع السرية لحسابها بعد أن قدّمت الأجهزة الأمنية تقارير حول انكشاف الداتا للمنظمات غير الحكومية ودول أجنبية». ولأن تجربة المنصة في التسجيل لتلقي اللقاحات لم تكن بالأمان والدقة المطلوبين، فإن هناك ريبة من «تسييس ملف البطاقتين، التمويلية والخاصة بشبكة الأمان الاجتماعي، واستخدامهما لمصالح انتخابية مع اقتراب موعد الانتخابات». علماً أن وزير الشؤون الاجتماعية هكتور حجار أعلن انتهاء التحضيرات اللوجستية لإطلاق البطاقة التمويلية، لكن ذلك لن يحصل قبل موافقة مجلس النواب على تعديل الاتفاقية بين لبنان والبنك الدولي حول مشروع شبكة الأمان الاجتماعي، لكون البطاقتين، التمويلية والمدعومة من البنك، ستستخدمان المنصة نفسها والاستمارة عينها. ما يعني ربط البطاقة مجدداً بشروط لا تنال موافقة الغالبية في مجلس النواب.
يبقى أن البطاقة التمويلية ما زالت تفتقد إلى من يموّلها. فبعدما جرى التوافق في حكومة دياب على استخدام أموال قرض البنك الدولي المخصص للنقل العام وبدأ التفاوض مع البنك لهذه الغاية، رفضت وزارة الأشغال العامة والنقل المسّ بالقرض. وفيما نصّ قانون البطاقة الصادر عن مجلس النواب على تكليف مصرف لبنان تأمين التمويل اللازم، أشارت مصادر مطلعة في المصرف إلى اتفاق مبدئي بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وحاكم المصرف رياض سلامة، على استخدام نحو 300 مليون دولار من حقوق السحب الخاصة التي تلقاها لبنان من صندوق النقد لتغطية هذه التكاليف. على أن يكون هذا المبلغ بمثابة سلفة مالية مستحقة على الدولة شبيهة بسلفة الكهرباء، وتتعهد الحكومة بسداد المبلغ من الأموال التي ستحصل عليها من برنامج صندوق النقد حالما يتم توقيع وثيقة التفاهم معه.
من جهته، لفت حجار إلى استعداد البنك الدولي لتمويل البطاقة التمويلية أيضاً، معلناً أن المانحين والمقرضين «يشترطون البدء بتنفيذ المشروع الطارئ لدعم شبكة الأمان الاجتماعي للاستجابة للأزمة الاقتصادية وجائحة كوفيد 19 في لبنان أو الـ ESSN واستكمال العمل بالبرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً لمنح الدولة اللبنانية الأموال اللازمة لإطلاق البطاقة التمويلية». والشرط الأساسي هنا هو إثبات لبنان شفافية ومهنية في تطبيق آلية البطاقة ووصولها إلى مستحقيها.



التفتيش المركزي يكشف داتا الوزارات
رغم كل المحاذير الأمنية حول عدم أمان منصة «إيمباكت» لكونها تدار من شركة بريطانية، يصرّ التفتيش المركزي على توسيع قاعدة البيانات المتوافرة على المنصة وكشف معلومات إضافية عن اللبنانيين وعن الموظفين العاملين في الإدارات العامة. وأرسل رئيس التفتيش جورج عطية، مطلع الشهر الجاري، كتباً إلى بعض الوزارات يطلب فيها ملء ما سماه بـ«استمارة الأعمال الإدارية» لكل عمل إداري صادر عن الوزارة منذ بداية عام 2021، ما يشمل أسماء الموظفين العاملين وتفاصيل خاصة بهم، ونشر كل الأعمال التي تصدر بشكل دوري على المنصة. علماً أن التفتيش نفسه، بحسب مصادر عاملة فيه، لم يقم بعملية تدقيق في بيانات موظفيه ونشرها. ويستند التفتيش في طلبه إلى قانون حق الوصول إلى المعلومات الذي لا يلزم عملياً الوزارات نشر بياناتها على المنصة بل يحصرها بالموقع الخاص بها أو استجابة لطلب أحد المواطنين. واللافت أن كل ذلك يجري على مرأى الحكومة ومجلس النواب، لا بل بموافقة وتسهيل كامل من الجميع، حتى وصل الأمر بمجلس النواب إلى تعديل تفاصيل كان أقرّها بنفسه قبل أن يرفضها البنك الدولي فينصاع لرغباته.