شعور باليتم وانكشاف الغطاء يخيّم على أنصار تيار «المستقبل» في الأطراف، منذ إعلان الرئيس سعد الحريري «تعليق» مشاركته وتياره في الحياة السياسية. حريريّو العرقوب والبقاعين الغربي والأوسط وزحلة تفترسهم «هواجس وجودية»، تتداخل فيها أوهام الأقليات مع ارتهان الخدمات بالمحاصصة الطائفية والمناطقية.

صاعقة ضربت بلدات العرقوب مساء الإثنين الماضي. إلى التلال النائية التي يحدق بها العدو الإسرائيلي من كل جانب، وصل دويّ احتجاب تيار المستقبل وكأنه «نهاية العالم» لدى البعض. في مرجعيون وحاصبيا، ساد غضب، ولا سيما بين العشائر التي كانت تنتظر الاستحقاق الانتخابي لتعيد رصّ الصفوف خلف «زعيم السُّنة».
خيبة أمل سبقتها خيبات توالت منذ انتخابات عام 1992 حول صحة تمثيل العرقوب. «السنّة في المنطقة لم يُمثّلوا يوماً تمثيلاً صحيحاً في البرلمان، وهم متروكون لمصيرهم منذ الطائف»، يقول يسر شقير، أحد رموز «المستقبل» في الهبارية. يصف قرار الحريري بأنه «قتل لطموحنا، لأنه سيفوِّت علينا مقعداً استراتيجياً في خاصرة حزب الله في دائرة الجنوب الثالثة»، حيث شكّلت أصوات المستقبليين لرجل الأعمال عماد الخطيب في انتخابات 2018، رافعة للائحة «الجنوب يستحق» في مواجهة لائحة الثنائي الشيعي» «حتى كدنا أن نحقق خرقاً في دائرة تُعتبر من المحرّمات على القوى السياسية بمواجهة الثنائي».
الخطيب نفسه يتريّث في حسم قراره بالترشّح إلى الانتخابات المقبلة. يؤكّد أن «للشيخ سعد الحقّ في اتخاذ القرار الذي يناسبه»، لكن «واجبنا تجاه أبناء منطقتنا يحتّم مقاربة الموضوع من باب مختلف عن قرار الحريري بعدم تسمية مرشحين».
التزاماً بقرار بيت الوسط، يحسم درويش السعدي، منسّق تيار المستقبل في العرقوب، بعدم دعم أي مرشّح. «قرار القيادة واضح، وسنستمر في العمل الإنمائي والخدماتي وخدمة الناس. هذه هي معركة رفيق الحريري الأهم».
شعبياً، يتخبّط مناصرو تيار المستقبل في تحديد خيارهم من الانتخابات. يؤكد كثيرون نيتهم المشاركة ودعم «أي مرشح يحمل نَفَس التيار»، فيما تتماهى نسبة قليلة مع قرار «القيادة» بالعزوف عن المشاركة.
حسرة المستقبليين يقابلها لا اهتمام لدى آخرين. «سواء بقي أو انسحب من السياسة، لن نجد فرقاً في العرقوب»، بقول حمزة الخالد، المناصر السابق للمستقبل في شبعا. البلدة التي ارتبط اسمها بمزارعها المحتلة سارت خلف الحريرية منذ تحريرها عام 2000، عملاً بالمعيار المذهبي للانتماءات السياسية. ورث «المستقبل»، والجماعة الإسلامية بدرجة أقل، القوى الوطنية والقومية واليسارية التي انتمى إليها أهل العرقوب منذ الثلاثينيات. حمزة، ككثيرين من الشباب، ناصر «التيار السني الأكبر قبل أن نصطدم بالواقع المرير». هنا لا أحد يتذكّر بلدته إلّا للتباكي على مزارعها المحتلّة: «لا مستشفى ولا خدمات، لا مدرسة رسمية يتعلم أبناء البلدة فيها. متروكون لمصيرنا وكأننا جزيرة معزولة عن البلد».
في البقاع الأوسط، أحد أهمّ حصون «المستقبل»، شعور عارم باليتم بين أنصار التيار، ومشاعر متضاربة يشوبها غضب وعتب ولوم وإقرار بالإخفاق.
يؤكّد نائب منسق تيار المستقبل في البقاع الأوسط عامر فرحات أنّ «قرار الرئيس كان متوقّعاً وهيّأنا قاعدتنا الشعبية له منذ فترة». ويضيف: «بعد انتخابات 2018 التي أتت نتائجها مخيبة، شكّل الرئيس مجلساً تنسيقياً جديداً في المناطق، وبدأنا مراجعة ذاتية». يقرّ فرحات بـ«إخفاقات» التيار. «لن نقول، كغيرنا، ما خلّونا. أخلّينا مع الناس في بعض الوعود. وعدنا شعبنا بمستشفى ميداني خلال جائحة كورونا، وتأمين اللقاحات اللازمة لأهالي المنطقة ولم نستطع تأمينها، كما وعدناهم بدورات تعليمية قُبيل الامتحانات الرسمية ولم نفِ، وأدّى الوضع المالي المتردّي إلى الغياب عن شعبنا»، عازياً ذلك كله إلى «الظروف الصحية في البلد، وإلى تأثير ثورة 17 تشرين خصوصاً في الشارع السني».

شعور عارم باليتم بين أنصار التيار ومشاعر متضاربة يشوبها غضب وعتب


ترعرع حاتم هاشم، من بلدة جديتا، في بيت «علماني»، ووجد في مشروع رفيق الحريري «ضالّتي في بناء الدولة، لكنّ لعبة الدول الكبرى قتلت الحلم». انتقل «الحلم» إلى إابنه «بالتواتر العاطفي، لكنّه تمرّس في التنازلات لأجل لبنان، ولكن على حساب قاعدته الشعبية التي قبلت تخبيصاته أحياناً على مضض، ولامته أحياناً أخرى، لكنها وجدت نفسها في نهاية المطاف ملتزمة بخياراته السياسية كونه الوحيد الذي يمكن التفاهم معه بين الشخصيات القيادية السنية».
يعود جلول، من مجدل عنجر، إلى ما قبل بزوغ نجم الرئيس رفيق الحريري: «لطالما حمل السنة في لبنان الدولة على أكتافهم، مشكّلين الضمانة للبلد. استمر هذا مع رفيق الحريري، لكنّ سعد لم يقوَ على تحمّل هذه المسؤولية. في البقاع الأوسط نحتاج إلى قائد يلتفت إلى هموم الناس، يساعدنا في تعليم أبنائنا، يخلق لنا فرص عمل، ويحمل همّنا الإنمائي، لا أن يطلّ علينا قبل الانتخابات لنبايعه لأربع سنوات... ويختفي».
يؤكد علي الطعيمي، ابن عشيرة الفاعور والناطق الإعلامي باسم العشائر العربية في لبنان، «أننا نشعر باليُتم»، ويقول: «لم نخلف معه يوماً، ورغم عدم وفائه بوعوده لنا بإنشاء مدرسة لتعليم أبنائنا في الفاعور، سنستمر في ولائنا له، ولا نستطيع التفاهم مع أيّ شخصية سنية في لبنان غيره».
المشاعر نفسها تنسحب على مناصري «المستقبل» في البقاع الغربي. القلق ينتابهم وتأكلهم الأسئلة حول «كيف لابن الرفيق أن يوجّه إلينا مثل هذه الصفعة»، بحسب أحد «المستقبليين». كثيرون يتلمّسون الأعذار له كونه «ضحية زعماء الحرب». لا سؤال هنا عن الانتخابات وعمّن يترشّح ومن يصوّت لمن. «عندما لا يكون لنا مرشحون فلا حلفاء لنا، حتى ولو ضمّت أي لائحة مرشحين محسوبين على حلفائنا التقليديين»، يقول منسق التيار في البقاع الغربي محمد هاجر. ويرى غسان سليمان أنّ «الحريري حتماً يمتلك معطيات عربية ودولية بعدم حدوث الانتخابات»، وهو ما يرغب به كثيرون من «المستقبليين» ممن يمنّون النفس بأن الانتخابات لن تجري في غياب «الشيخ سعد».